صدى الحقيقة

من مدريد إلى إنجمينا: الأمن المائي بوابة السودان إلى التعافي والتنمية

د. عمار أبكر عبد الله
د. عمار أبكر عبد الله
✍️ كتابات حرة
08 Jun 2026 👁 26
شارك الخبر:

في وقت تتسارع فيه التحديات المناخية والاقتصادية والإنسانية حول العالم، تتجه الأنظار إلى المياه باعتبارها أحد أهم مفاتيح التنمية والاستقرار في القرن الحادي والعشرين. فلم تعد المياه مجرد خدمة أساسية أو مورداً طبيعياً يقتصر دوره على تلبية الاحتياجات اليومية للسكان … بل أصبحت عنصراً محورياً في الأمن الغذائي والصحي والطاقة والاستثمار والاستقرار الاجتماعي والسياسي.

هذا التحول كان واضحاً في “القمة العالمية للمياه” التي انعقدت في مدريد بإسبانيا خلال الفترة من 18 إلى 20 مايو 2026 …. حيث برزت مبادرة مجموعة البنك الدولي الجديدة Water Forward بوصفها رؤية عالمية تهدف إلى تعزيز الأمن المائي لأكثر من 400 مليون شخص بشكل مباشر، والوصول مع الشركاء إلى أكثر من مليار شخص بحلول عام 2030. وقد أكدت المناقشات التي شهدتها مدريد أن تحقيق الأمن المائي لم يعد مسؤولية قطاع المياه وحده، بل أصبح جزءاً أساسياً من أجندة التنمية الاقتصادية والاستثمارية للدول.

وتنتقل هذه الرؤية خلال الشهر المقبل إلى القارة الأفريقية عبر “المنتدى الأفريقي للمياه” الذي تستضيفه العاصمة التشادية إنجمينا يومي 15 و 16 يوليو 2026 …. تحت شعار “من الرؤية إلى العمل”. ويهدف المنتدى إلى اعتماد خارطة طريق الاستثمار في الأمن المائي وخدمات المياه والإصحاح (WASH+)، وحشد الإرادة السياسية والتمويل اللازمين لتسريع التقدم نحو تحقيق الأمن المائي في أفريقيا، مع التركيز على الإصلاحات المؤسسية، وتعزيز الحوكمة، وتعبئة الاستثمارات العامة والخاصة، ودعم التعاون الإقليمي في الأحواض المائية المشتركة.

وتنبع أهمية هذا المنتدى من حقيقة أن أفريقيا ما زالت تواجه تحديات كبيرة في قطاع المياه. فوفقاً لبيانات البنك الدولي والأمم المتحدة، لا يزال أكثر من 400 مليون شخص في القارة يفتقرون إلى خدمات مياه الشرب الأساسية، فيما يحرم أكثر من 700 مليون شخص من خدمات الصرف الصحي الأساسية. وتشير التقديرات إلى أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة في بعض المناطق الأفريقية قد تصل إلى نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة آثار شح المياه وضعف خدمات المياه والإصحاح على الصحة والإنتاج والاستثمار.

وبالنسبة للسودان … فإن هذه التحولات الدولية تستحق اهتماماً خاصاً. فعلى الرغم من أن البلاد تتوفر فيها الموارد المائية السطحية والجوفية، وتمتلك موقعاً محورياً داخل حوض النيل، إلا أن قطاع المياه ظل يواجه تحديات كبيرة حتى قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023. فقد أظهرت تقارير برنامج الرصد المشترك لمنظمة الصحة العالمية واليونيسف وجود فجوات ملحوظة في الحصول على خدمات مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي المحسنة، خاصة في المناطق الريفية والأطراف. كما عانت العديد من المدن من ضغوط متزايدة على شبكات المياه نتيجة النمو السكاني السريع، وضعف الاستثمارات، وتراجع أعمال الصيانة والتأهيل.

ومع اندلاع الحرب … تفاقمت هذه التحديات بصورة غير مسبوقة. فقد تعرضت مرافق المياه والكهرباء ومحطات الضخ والبنية التحتية الأساسية لأضرار مباشرة وغير مباشرة في عدد من الولايات، كما أدى النزوح الداخلي الواسع إلى زيادة الضغوط على الخدمات في المدن والمجتمعات المستضيفة. وتكررت التحذيرات الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية بشأن تزايد مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه، بما في ذلك الكوليرا والإسهالات المائية الحادة، في ظل تدهور خدمات المياه والإصحاح البيئي.

غير أن التحدي الذي يواجه السودان اليوم … لا يتمثل فقط في إعادة بناء محطات المياه أو تأهيل الشبكات المتضررة، بل يكمن بصورة أساسية في بناء منظومة مؤسسية قوية وقادرة على قيادة قطاع المياه خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. فالتجربة الدولية التي يدعو إليها البنك الدولي اليوم من خلال مبادرة Water Forward تؤكد أن التمويل وحده لا يكفي، وأن الاستثمارات الكبرى لا تتدفق إلى الدول إلا عندما تتوافر مؤسسات فعالة، وسياسات واضحة، وأطر قانونية مستقرة، وآليات تنسيق قادرة على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة.

ومن هنا تبرز أهمية الحفاظ على مؤسسات وطنية قوية ومتخصصة في إدارة الموارد المائية ومياه الشرب والصرف الصحي، وتمكينها من أداء دورها في التخطيط والتنسيق والتنفيذ، وربط قضايا المياه بالتنمية الاقتصادية والزراعة والطاقة والصحة والبيئة. كما تبرز الحاجة إلى تطوير رؤية وطنية متكاملة للأمن المائي تجعل من المياه ركيزة أساسية للتعافي الاقتصادي وإعادة البناء وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.

وفي هذا السياق … فإن مشاركة السودان في المنتديات الإقليمية والدولية المعنية بالمياه لم تعد ترفاً دبلوماسياً أو نشاطاً بروتوكولياً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية. فمثل هذه الفعاليات تشكل منصات مهمة للاطلاع على التوجهات العالمية الجديدة، وبناء الشراكات، والتعرف على فرص التمويل والاستثمار، وتبادل الخبرات والتجارب الناجحة.

وحتى في حال تعذر المشاركة الرسمية الكاملة بسبب الظروف الراهنة، فإن من المهم أن تضطلع سفارات السودان وبعثاته الدبلوماسية بدور أكثر فاعلية في متابعة هذه الفعاليات والمشاركة فيها بصفة مراقب متى ما أمكن ذلك، وإعداد تقارير مهنية وتحليلية حول مداولاتها ونتائجها وتوصياتها، ورفعها إلى الجهات المختصة عبر وزارة الخارجية والتعاون الدولي، بما يضمن ربط مؤسسات الدولة السودانية بأحدث التطورات الدولية والإقليمية في قطاع المياه والتنمية.

إن ما يجري اليوم بين مدريد وإنجمينا يعكس تحولاً مهماً في النظرة العالمية إلى المياه … حيث لم تعد المياه مجرد قطاع خدمي، بل أصبحت لغة مشتركة تجمع بين الاقتصاد والاستثمار والتنمية والاستقرار والتعاون الإقليمي. والسودان، بما يمتلكه من موارد وخبرات وموقع جغرافي استراتيجي، يملك فرصة حقيقية للاستفادة من هذه التحولات إذا ما أحسن بناء مؤسساته، وطور رؤيته الوطنية للأمن المائي، وربطها بأجندة التعافي وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.

فالأمن المائي لم يعد قضية فنية تخص المختصين وحدهم … بل أصبح قضية وطنية تتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع والاقتصاد. ومن هنا فإن الطريق إلى التعافي والتنمية في السودان قد يمر … أكثر من أي وقت مضى، عبر بوابة الأمن المائي.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.