صدى الحقيقة

الدبلوماسية المائية: بوابة السودان لتعزيز التعاون الإقليمي والدولي .. من ضفاف النيل إلى دوائر التأثير الدولي (3-4)

د. عمار أبكر عبد الله
د. عمار أبكر عبد الله
✍️ كتابات حرة
18 May 2026 👁 39
شارك الخبر:

في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والمناخية، لم تعد قضايا المياه محصورةً في نطاق الأحواض المشتركة، بل غدت جزءاً أصيلاً من منظومة الحوكمة العالمية. وفي هذا السياق، يبرز السودان بوصفه دولةً ذات عمقٍ تاريخي وثقلٍ جغرافي في قلب حوض النيل، إلى جانب إرثٍ دبلوماسيٍ سودانيٍ عُرف بالحكمة والاعتدال وبناء الجسور.

جنيف ونيويورك: السودان داخل منظومة الحوكمة العالمية للمياه:

تكتسب البعثات الدبلوماسية السودانية في جنيف ونيويورك أهمية استراتيجية متزايدة في ظل التحول العالمي المتسارع نحو تعزيز حوكمة المياه وربطها بقضايا الأمن والتنمية والتغير المناخي. وفي هذا السياق، تمثل سفارة السودان في جنيف نافذة السودان على منظومة القانون الدولي للمياه والمؤسسات الفنية العالمية ذات الصلة، من خلال التفاعل مع اتفاقية الأمم المتحدة للمياه (UNECE Water Convention)، وبروتوكول المياه والصحة، ولجنة الأمم المتحدة للمياه (UN-Water)، إضافة إلى المنظمات الدولية ومراكز البحوث والهيئات الفنية المعنية بالمياه والمناخ والبيئة والتنمية المستدامة.

وتبرز أهمية جنيف باعتبارها مركزاً دولياً للحوار الفني والقانوني والمؤسسي، حيث تُناقش قضايا إدارة الأحواض المشتركة، والحوكمة المائية، وتبادل البيانات، والدبلوماسية الوقائية، وآليات التعاون العابر للحدود. ومن هنا، فإن الحضور السوداني الفاعل في هذه المنصات يمثل ركيزة مهمة لتعزيز القدرات الوطنية وبناء الشراكات ونقل الخبرات والتجارب الدولية.

أما البعثة السودانية في نيويورك، فتضطلع بدور محوري في متابعة أجندة المياه ضمن أهداف التنمية المستدامة، والمشاركة في النقاشات الدولية المتعلقة بالأمن المائي والتغير المناخي والتنمية والتمويل الدولي، إلى جانب المساهمة في صياغة المواقف الدولية داخل منظومة الأمم المتحدة والجمعية العامة والمنتديات العالمية ذات الصلة.

ويُلاحظ اليوم أن القرار العالمي في ملف المياه أصبح يُصنع عبر محورين متكاملين؛ يتمثل الأول في نيويورك باعتبارها مركز البعد السياسي والدبلوماسي العالمي، بينما تمثل جنيف مركز البعد الفني والقانوني والمؤسسي. ولذلك، تبرز الحاجة إلى تعزيز التنسيق المستمر بين البعثات السودانية المختلفة، وربطها بالمؤسسات الوطنية الفنية والأكاديمية، بما يسهم في توحيد الرؤية الوطنية، وتعزيز الحضور السوداني في قضايا المياه الدولية، والدفاع عن المصالح الاستراتيجية للسودان في المحافل متعددة الأطراف.

وفي عالم تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالمياه والمناخ، فإن بناء دبلوماسية مائية سودانية حديثة وفعالة لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية الأمن المائي الوطني وتعزيز مكانة السودان الإقليمية والدولية.

الرياض وجدة .. السودان والمنتدى العالمي للمياه 2027:

مع استعداد المملكة العربية السعودية لاستضافة المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه في مارس 2027، تتزايد أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به البعثات الدبلوماسية السودانية في المملكة، وعلى رأسها سفارة السودان في الرياض والقنصلية العامة في جدة، في متابعة الاجتماعات التحضيرية وبناء جسور التواصل مع المؤسسات الخليجية والإقليمية والدولية المعنية بملفات المياه والمناخ والتنمية المستدامة.

ويُعد المنتدى العالمي للمياه واحداً من أكبر المنصات الدولية المعنية بقضايا المياه. وفي هذا السياق، يمثل المنتدى فرصة استراتيجية مهمة للسودان لإعادة تقديم نفسه كشريك إقليمي فاعل في قضايا المياه والأمن الغذائي والتكيف مع التغيرات المناخية، خاصة في ظل ما يمتلكه السودان من موارد مائية وأراضٍ زراعية وإمكانات كبيرة في مجالات الربط بين المياه والطاقة والغذاء. ومن هنا، فإن الدور الدبلوماسي لا يقتصر فقط على التمثيل السياسي، بل يمتد ليشمل الترويج للفرص الوطنية، وبناء الشراكات الاستراتيجية، ودعم الحضور السوداني في المنصات الدولية المؤثرة في مستقبل المياه والتنمية الإقليمية. كما أن التنسيق المبكر والفعال بين البعثات السودانية والمؤسسات الوطنية المختصة سيسهم في إعداد رؤية سودانية متكاملة تعكس أولويات البلاد وتطلعاتها في مجالات الأمن المائي والتنمية المستدامة. وفي عالم يشهد تصاعد التحديات المرتبطة بالمياه والمناخ والغذاء، فإن المنتدى العالمي للمياه 2027 في نسخته الــ11… يمثل فرصة مهمة لتعزيز حضور السودان في الدبلوماسية المائية الدولية، وإبراز دوره التاريخي والجغرافي كمحور رئيسي في منظومة الأمن المائي الإقليمي في إفريقيا والشرق الأوسط.

باريس وتونس وواشنطن: المعرفة والتمويل والشراكات:

تؤدي البعثات الدبلوماسية السودانية في باريس وتونس وواشنطن أدواراً محورية في ربط السودان بمنظومات المعرفة والتمويل والشراكات الدولية في قطاع المياه، بما يعزز من قدراته في إدارة الموارد المائية والتكيف مع التغيرات المناخية.

في باريس، من الممكن الإشارة إلى دورٍ محتمل لسفارة السودان في دعم مسارات التشاور والتنسيق مع منظمة اليونسكو في الملفات المرتبطة بالمياه العابرة للحدود، لا سيما المؤشر الدولي SDG 6.5.2، الذي يقيس مستوى التعاون بين الدول في إدارة الأحواض المائية المشتركة. ويُعد هذا المؤشر أداة مهمة لتقييم مدى التقدم في الحوكمة المائية، وتعزيز تبادل البيانات، وبناء الثقة بين دول الأحواض، بما يدعم جهود السودان في تطوير سياساته المائية وفق المعايير الدولية.

أما في تونس، فتبرز أهمية تعزيز التواصل مع بنك التنمية الأفريقي … فقد احتفظت تونس بمكانتها كمركز إقليمي وعملياتي نشط للبنك، حتى بعد انتقال مقر البنك الرئيسي إلى أبيدجان عام 2014، حيث سيساهم هذا الحضور في تمويل مشاريع المياه والبنية التحتية والتكيف المناخي وتعزيز الأمنين المائي والغذائي. ويتيح هذا الإتجاه من التعاون فرصاً استراتيجية للسودان للاستفادة من البرامج الإقليمية الموجهة.

وفي واشنطن، تضطلع السفارة السودانية بدور مهم في متابعة أعمال البنك الدولي ومبادرة التعاون الدولي للمياه العابرة للحدود في إفريقيا (CIWA)، والتي تُعد واحدة من أبرز المنصات العالمية لدعم التعاون المائي الإقليمي في إفريقيا. وتشمل هذه المبادرة تمويل المشاريع المشتركة، وبناء القدرات المؤسسية والفنية، وتعزيز نظم إدارة البيانات والهيدرولوجيا، بما يسهم في دعم الدول في إدارة مواردها المائية بشكل أكثر كفاءة واستدامة.

ومن خلال هذه المحاور الثلاثة .. المعرفة في باريس، والتمويل في تونس، والشراكات الاستراتيجية في واشنطن .. يتعزز الدور الدبلوماسي السوداني في بناء شبكة دولية متكاملة لدعم الأمن المائي، وتطوير التعاون الإقليمي، وترسيخ مكانة السودان كشريك فاعل في قضايا المياه والتنمية على المستويين الإفريقي والدولي.

آسيا وأوروبا .. فرص جديدة لنقل المعرفة والتكنولوجيا:

تمثل آسيا وأوروبا فضاءً واسعاً لتوسيع آفاق الدبلوماسية السودانية في مجال المياه، وفي هذا الإطار، يمكن تعزيز التعاون مع معهد إدارة المياه الدولي (IWMI) في سريلانكا، باعتباره أحد أبرز المراكز البحثية العالمية في مجالات إدارة المياه والزراعة المرتبطة بالمياه والتكيف مع التغيرات المناخية، حيث يقدّم نماذج علمية متقدمة في إدارة الأحواض المائية وتحسين كفاءة استخدام الموارد. كما تبرز أهمية الانفتاح على التجربة الصينية في مجال حصاد المياه وإدارة الموارد المائية، خاصة في تقنيات التخزين، وإعادة الاستخدام، والبنية التحتية الذكية، ونظم الري الحديثة، وهو ما يوفر فرصاً واعدة لنقل المعرفة والتكنولوجيا بما يتناسب مع السياق السوداني واحتياجاته التنموية. وفي أوروبا، تلعب الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) دوراً محورياً في دعم برامج التعاون المائي داخل حوض النيل، لا سيما من خلال مكاتبها الإقليمية في شرق إفريقيا، حيث تساهم في تعزيز الحوكمة المائية، وبناء القدرات المؤسسية، ودعم آليات التعاون العابر للحدود، إضافة إلى تطوير أدوات إدارة المخاطر والتكيف المناخي.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.