صدى الحقيقة

دارفور: من أين جاء « يا هؤلاء »؟

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم
✍️ كتابات حرة
02 Jun 2026 👁 27
شارك الخبر:

جاء الدكتور الوليد مادبو إلى الثقافة بما عُرف من الدسّ وتوغير الصدور. فشكا من إهمال دولة 56 للكاتب إبراهيم إسحاق، والحفاوة من الجانب الآخر بالطيب صالح، مما أحسن خالد محمد أحمد الرد عليه.

ولا أعرف إن كانت تلك العناية من الهامش وحركاته وبركاته بثقافتهم ورموزها خصلة قديمة، أم استجدت، أو أنها من “هوانات” توغير الصدور واصطناع الإحن. ولا أعرف أين كان مادبو حين نشرت الكلمة أدناه منذ سنوات عن ضعة شأن الثقافة في مشروع الهامش

الأخبار التي تسر القلب عن دارفور معدومة في سوق الخرطوم، وهي في ندرة لبن الطير الذي تضرب به الأمثال. ولكن سرّني من دارفور خبران. الأول منهما قيام مركز كليمندو الثقافي بأم درمان، الذي يقوم عليه الدكتور إبراهيم إسحاق، وقد أوقف له السيد الحاج الصديق آدم عبد الله “ودعة” مالاً وعقاراً. أما الخبر الثاني فهو رواية “زول واحد”، وهو اسم إنترنت، على منبر سودانيز أون لاين بالشبكة العالمية، لمواجهة طلاب دارفور للرئيس نميري لدى زيارته لنيالا في عام 1972.

عاد بي تأسيس كليمندو إلى عام 1980، حين استشارني حبيبنا عبد الله آدم خاطر بشأن نشر مخطوطات عن تاريخ دارفور وثقافتها بواسطة دار الثقافة للنشر والإعلان. وكان خاطر قيّماً عليها، وأعان عليها السيد محمد إبراهيم دريج. وكانت تشغل شقة أنيقة بعمارة الإخوة بالطابق السابع بشارع عطبرة (تلفون 7505 وص.ب 42 البراري – الخرطوم). وكانت دار الثقافة دارفورية الهوى بما لا يخفى بالطبع.

وقد أنبني مؤنب: كيف ارتضيت لنفسي غشيان دار عنصرية التوجه؟ فقلت له: مرحباً بالعنصرية إن كانت تستعين بدار نشر يقوم عليه ذو مزاج وادع رشيق مثل خاطر. وكان للدار طموح آخر، فقد تبنت مشروعاً لقيام مركز إقليم دارفور للبحوث والدراسات، الذي أوصى بقيامه مؤتمر عقدته رابطة طلاب دارفور بالجامعات والمعاهد العليا بعد ندوة بقاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم في فبراير 1980 تناولت موضوع: “دارفور: ماذا بعد الحكم الإقليمي؟”.

وصدرت عن هيئة سكرتارية المشروع ورقة عمل بعنوان “مشروع مركز دارفور للبحوث والدراسات”. وألقت الورقة بتبعة خاصة على أبناء دارفور لتأصيل منهج البحث العلمي بالنظر إلى أوضاع إقليمهم، الذي يستصرخ للنهضة به على أسس التخطيط والدراسة، أخذاً بأسباب العلم واستخدامه في سبيل التنمية.

لا أعتقد أن المركز تجاوز حيز المشروع وورقته إلى شيء مما التزم به. وأخلى هذا يد الناشط الدارفوري من كتاب مبين ينهض به الإقليم الهامشي، زرقةً وعرباً، بنظر محيط ناقد لشح المركز، الذي هو بدوره هامش لعولمة المعلومة. ولم يُلطّف هذا النظر البحثي، لغيابه، ردة فعل دارفور على تهميشها حين استفحل وعز النصير.

فلما ضرّس الظلم بنابه الإقليم، لم يجد الناشطون سبباً لرباطة الجأش وسعة الحيلة والصبر على المكاره، وهي طاقات مستحصلة من الحق الذي لا يضيع، والذي يتحراه البحث العلمي ويعين عليه، حتى يفتح الله بفتحه. فاختار هؤلاء الناشطون خطة التحرير بالقوة، لا خطة التربية بقوة الشعب وصناعة التحالفات التي لا تترك هامشاً بدارفور أو بالسودان إلا واستنفرته في طريق شاق قاصد نهضة البلاد بأسرها بتمكين الذين استضعفوا في الأرض.

فضيقوا باختيارهم قوة السلاح واسع قوة الشعب. وكان أفضل كتبهم بحثاً كتابهم “الأسود”، الذي حوى بشكل رئيسي طموح برجوازية الإقليم الصغيرة في قسمة جاه السودنة المتثاقلة. واستغرق هذا الأمر، كما نرى، حركات التحرير حتى جعلت من شعبها رهينة لتغليظ مكاسبهم من ذلك الجاه.

وسنرى في الخبر الثاني كيف أخطأ الناشط الدارفوري الطريق إلى قوة الشعب، واكتفى منها بقوة مسلحة من عصبته وقبيله دون غيره.

ويروي “زول واحد” في هذا الخبر عن أيام تلمذته بالثانوية بنيالا في أوائل السبعينيات. فقد أمضّه تفشي المجاعة في الإقليم بينما أنكرتها الحكومة ثلاثاً. فتخمّرت فكرة الاحتجاج على ذلك الاستهتار في رأسه، وأعدى بها ثمانين من زملائه بالمدينة من كل حدب عرقي وصوب إثني.

وانتهزوا فرصة زيارة الرئيس نميري للمدينة للاحتفال بمرور الذكرى الأولى لعودته للحكم بعد انقلاب 19 يوليو 1971. وتمثلت خطتهم في تسليمه مذكرة عن مظالم الإقليم. واضطربت هذه الخطة لتغيير نميري مواعيد وصوله إلى المدينة. ولكن الطلاب، الذين بلغ عددهم نحو 300، تجمعوا في الاستراحة العسكرية أخيراً، وارتفعت عقيرتهم بالهتاف ليلفتوا نميري إلى وجودهم.

فأرسل من يستوضح أمرهم، وقبلوا بعد لأي أن يسلموا مذكرتهم لنميري عن طريق وسيط. وتجمعوا بالميدان الذي خاطب فيه الرئيس جمهور المدينة، وهتفوا: “جوعى وعطشى في دارفور”، و”وعودنا وعود يا دارفور”، و”تنمية تنمية يا رئيس!”.

فتلجلج نميري وتعثر في خطابه، فصاح: “اقبضوا هؤلاء الشيوعيين العشرة”. فحمل السيد أبو القاسم محمد إبراهيم قاشه، وتبعه جند آخرون، وانهالوا ضرباً على الطلاب، واعتقلوا نحو عشرين منهم.

كانت مذكرة الطلاب عن محنة دارفور شماء من نوع تلك التي تلامس الرعان وتتسامى على السفح. فلم تنحدر إلى سقوف القبيلة وسخائمها مما نراه في أيامنا هذه. فقد ركزوا على تنمية الإقليم، واستنكروا تهميشه في الخطة القومية، واستهجنوا قيام مشروعات التنمية في دارفور على أسس تجريبية بصورة ينتفي بها الالتزام بدوامها.

وطالبوا بمركز للأبحاث البيطرية، وبالكهرباء للمدن، ومحاربة العطش والجوع والمرض. وحملت المذكرة نظراً ثاقباً باكراً في متاعب دارفور البيئية، إذ طالبت بتقنين هجرة قبائل الشمال، عرباً وزرقة، إلى جنوب دارفور تفادياً للصراعات القبلية.

ومن أميز فقرات هذه القصة مشهدان. أولهما مشهد طالب رفيع البنية اشترك في العملية السياسية كلها ولم يُعتقل، فحز ذلك في نفسه. وأصبح يتردد على مركز الشرطة يلتمس منهم اعتقاله بالنظر إلى مشاركته في المظاهرة. وكانت الشرطة تطرده، فيعود ويشتم الحكومة جهراً أمامها سحابة نهاره وحتى صلاة العشاء، ولا مجيب. فلما أصابه اليأس عاد أدراجه إلى بيته.

وكان بين المعتقلين عامل بناء لم يكن له أدنى دور في المسألة، وقضى ليلتين معتقلاً مع الطلاب. فأعجبته شجاعتهم وتبنى مسألتهم بآخرة. وقد أعجبته عبارة “يا هؤلاء” من صيحة نميري المذعورة، فصار اسمه لزملائه المعتقلين “يا هؤلاء” منذ ذلك اليوم. فإذا لقي أحد الطلاب ناداه: “يا هؤلاء”، وإذا التقوه خاطبوه بـ”يا هؤلاء”.

ولما انعقدت المحكمة استغرب القاضي وجوده بين صغار السن من الطلاب، فسأله إن كان قد هتف وتظاهر. فقال: نعم. فقال له: ما نوع هتافك؟ فقال: “السكر بقى غالي، والقماش بقى غالي، والجاز بقى غالي”. ولم تكن تلك هتافات المظاهرة، ولكنها مما عنَّ لـ”يا هؤلاء”. فصرفه القاضي.

لعل أحوج ما تحتاجه دارفور الآن هو “جرد” تكتيك حرب التحرير الذي اتبعوه من فرط الظلم واليأس معاً. وربما كان جرد الحساب هذا أهدى لنا على المدى الطويل من تدخل قوى الإنس والجن في الولاية.

فانظروا إلى إقليم كوسوفو في صربيا، الذي يرزح لنحو عقد طويل بين براثن الأمم المتحدة. بل بلغ استبدادها بالإقليم أنها أضحت تضطهد المعارضين لها من الألبان وتضعهم في الاعتقال التحفظي.

وأمر هذا الجرد لتكتيك حرب التحرير أمر شجاعة تفوق حتى إدارة حرب التحرير. فلم يؤدِّ ناشطو دارفور واجبهم المنزلي في العلم المتعمق بمسألة إقليمهم كما خططوا لذلك بمعهد الأبحاث الذي كتبوا ورقة مشروعه… وكفى.

ومن الجهة الأخرى اكتفوا من الشعب، ناس “يا هؤلاء”، بعصب مسلحة. وهذا ما حذر منه أميلكار كابرال، قائد حركة تحرير شعب غينيا بيساو والرأس الأخضر في الستينيات. فقد فرّق بين تلك العصب وجماعة المناضلين الذين اختاروا حمل السلاح كتكتيك نضج ظرفه ولاح لائحه.

وتذكرت كلمة كابرال هذه حين سمعت عن استيعاب عصب اللواء فاولينو ماتيب في جيش الحركة الشعبية، بما سيجعل من جيش الجنوب الصناعة الأولى والأخيرة.

وللمتنبي بيت طريف قال فيه:

“إليك فإني لست ممن إذا اتقى

عضاض الأفاعي نام فوق العقارب”

كان المأمول أن يكون تحرير دارفور عضاض أفاعٍ شرسة في تركيبنا الثقافي والتاريخي والاقتصادي والإيكولوجي، فقصرت دونه حين استبخست البحث المتعمق في تلك التراكيب، وزهدت في ناس “يا هؤلاء”، واختارت حرب التحرير. وهذا هو النوم فوق العقارب التي لسعها حاذق، ولكنه دون عضاض الأفاعي بكثير جداً. والأفاعي هي الخصم لا العقارب، ولكننا تفادينا دربها بالمرة.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.