صدى الحقيقة

عملاء في زمان بلا حذيفة

حسين خوجلي
حسين خوجلي
✍️ ولألوان كلمة
24 May 2026 👁 74
شارك الخبر:

حكاية من قاعة البحث

من مشكلات دراسة الفلسفة في المقررات الجامعية أن الدارس يبدأ دراسته بالفلسفة اليونانية التي تبدو الأفكار الابتدارية فيها ساذجة وفي كثير من الأحيان مملة إلى أن تطل شخصية الفيلسوف أفلاطون وأرسطو، هذا العقل الإنساني الضخم في تاريخ الأفكار. ولأن أستاذنا كان يعلم هذا الملل الأكاديمي فقد كان يقدم لنا في آخر كل محاضرة حكاية ذات بُعد فلسفي أو فكري أو سياسي ويطلب من في قاعة البحث كتابة تعليقات قصيرة، كان يناقشها بحذق واهتمام. وكانت تلك الحكايات تثير في قريحتنا الكثير من التساؤلات المشروعة وغير المشروعة، وأذكر أنه في نهاية إحدى المحاضرات حكى لنا أقصوصة ذات بُعد سياسي تنتظم كل العالم العربي والإسلامي.

حكى بطريقة شائقة بأن مخابرات إحدى الممالك اكتشفت أن الوزير الأول المقرب للسلطان كان يعمل جاسوساً لدولة معادية مجاورة، وعندما تكشفت معالم الجريمة أخَطرَ صاحب البريد وكان هذا مسمى رجل التخابر المعتمد لدى البلاط.

وقع الخبر على الملك وقوع الصاعقة وبدأ معه رجل المخابرات في وضع التدابير بالمحكمة والإعدام بتهمة الخيانة العظمى، بعد أن قدم كل الوثائق الدامغة ضد الوزير الأول، بيد أن الملك كان راشداً وذكياً فقد تمالك نفسه وخرج من هول الكارثة، وطلب من رجل المخابرات ناصحاً أن يكتم الخبر حتى عن نفسه، وأن تظل علاقته بالوزير الأول عادية لا شكوك فيها ولا ريبة.

وفي إحدي المساءات أقام الملك مأدبة لشخصين له ولوزيره وبدأ معه أنساً لطيفاً كعادتهم الأولى وبعد أن تَبسَط معه وتجاذبا أطراف الحديث والمُلح والطرائف واستملك ثقته قال له بصوت هامس: عندي لك سرٌ خطير لن يعلمه أحد غيرك أريد أن أصارحك به وهو أننا نوينا أن نُهاجم هؤلاء الأعداء في دولتهم المجاورة على حين غرة عبر المرر الضيق الذي يمر عبر الجبلين ويفضي إلى عاصمتهم الحصينة وكان قد حدد له المكان و الزمان.

ودعه الملك حتى بوابة القصر وأوصاه بالكتمان فقبل الوزير الخائن يد الملك وانصرف وهو يكاد يطير من الفرح بسبب هذه الصفقة التي تقربه من سادته مكانة وذهباً ووعداً بالمُلك الزائف. خرج الوزير الأول الخائن وكتب رسالة مفصلة لخطة الغزو ومكانه وزمانه وكان التراسل في ذلك الزمان يتم عبر الحمام الزاجل، وعندما وصلت الرسالة للملك العدو جمع أركان حربه ومستشاريه مُصدقاً ما ورد في الرسالة وزحف نحو الممر الضيق بين الجبلين انتظاراً للعدو ليفاجأه بضربة قاصمة، هنا قرر الملك أن يتحرك سراً بطريق خفي وغير معلوم لأعداءه، وكانت فجيعة خصمه مدوية حينما اقتحم عاصمة خصمه وهدم قلاعها واستولى على مداخلها ومخارجها وغنم الكثير وزحف نحو جيش خصمه المنتظر فأباده عن بكرة أبيه. وبعد مُضي ثلاثة أيام من الفرح والاستباحة، نادى على قائد جيشه ومدير مخابراته صاحب البريد ووزيره الخائن وقال لهم بصوت ساخر ينفث غضباً وانتقاماً وثأراً: اعلموا أن أصدق الرسائل التي تصنع الانتصار هي تلك التي يحملها الوزير الخائن إلى أعداء بلاده.

وفي ثقتنا في ذكاء القارئ فإن نهاية الخائن والعميل معروفة.

وفي آخر المحاضرة خاطبنا أستاذنا قائلاً: اكتبوا لنا ما لا يتجاوز الخمسة أسطر عن المستفاد من هذه الحكاية وفي قاعة البحث القادمة سوف نُطالع المقولات التي تستحق المناقشة، واستخراج الدروس والعبر المستفادة.

وفي يوم المحاضرة الموعود كان أذكى تعليق ما كتبه زميلنا الفاتح في عبارة مختصرة مفادها: في ظني أنه لا فائدة من هذه الحكاية في الواقع السياسي العربي والإسلامي الراهن لأن الخائن ليس هو الوزير الأول بل هو الملك نفسه.

حين كانت الكلمات تُطاع

قال بشر بن الحارث: خرج فتى في طلب الرزق، فبينما هو يمشي فآوى إلى خراب يستريح فيه، فبينما هو يدير بصره إذ وقعت عيناه على أسطر مكتوبة على حائط، فتأملها فإذا هي:

إني رأيتك قاعدا مستقبلي

فعلمت أنك للهموم قرين

هوّن عليك وكن بربّك واثقا

فأخو التوكّل شأنه التهوين

طرح الأذى عن نفسه في رزقه

لمّا تيقن أنّه مضمون

قال: فرجع الفتى إلى بيته، ولزم التوكل وقال: اللهم أدّبنا أنت.

وتطل المعجزة حتى في الشعر

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بقول القائل: كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا، ولم ينطق به موزونا، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أشهد أنك رسول الله حقا وتلا قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِين}

من لم يحفظ أبيات الشافعي هذه فهو محروم

خَبَت نارُ نَفسي بِاشتِعالِ مَفارِقي

وَأَظلَمَ لَيلي إِذ أَضاءَ شِهابُها

أَيا بومَةً قَد عَشَّشَت فَوقَ هامَتي

عَلى الرُغمِ مِنّي حينَ طارَ غُرابُها

رَأَيتِ خَرابَ العُمرِ مِنّي فَزُرتِني

وَمَأواكِ مِن كُلِّ الدِيارِ خَرابُها

أَأَنعَمُ عَيشاً بَعدَ ما حَلَّ عارِضِي

طَلائِعُ شَيبٍ لَيسَ يُغني خَضابُها

إِذا اِصفَرَّ لَونُ المَرءِ وَاِبيَضَّ شَعرُهُ

تَنَغَّصَ مِن أَيّامِهِ مُستَطابُها

فَدَع عَنكَ سَوآتِ الأُمورِ فَإِنَّها

حَرامٌ عَلى نَفسِ التَقيِّ اِرتِكابُها

وَأَدِّ زَكاةَ الجاهِ وَاِعلَم بِأَنَّها

كَمِثلِ زَكاةِ المالِ تَمَّ نِصابُها

وَأَحسِن إِلى الأَحرارِ تَملِك رِقابَهُم

فَخَيرُ تِجاراتِ الكِرامِ اِكتِسابُها

وَلا تَمشِيَن في مَنكِبِ الأَرضِ فاخِراً

فَعَمّا قَليلٍ يَحتَويكَ تُرابُها

وَمَن يَذُقِ الدُنيا فَإِنّي طَعَمتُها

وَسيقَ إِلَينا عَذبُها وَعَذابِها

فَلَم أَرَها إِلّا غُروراً وَباطِلاً

كَما لاحَ في ظَهرِ الفَلاةِ سَرابُها

وَماهِيَ إِلّا جِيَفَةٌ مُستَحيلَةٌ

عَلَيها كِلابٌ هَمُّهُنَّ اِجتِذابُها

فَإِن تَجتَنِبها كُنتَ سِلماً لِأَهلِها

وَإِن تَجتَذِبها نازَعَتكَ كِلابُها

فَطوبى لِنَفسٍ أُولِعَت قَعرَ دارِها

مُغَلِّقَةَ الأَبوابِ مُرخَىً حِجابُها

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.