صدى الحقيقة

هاكذا ينتشر الفساد – وهاكذا يجب محاربتُه

جلال الدين محمد ابراهيم
جلال الدين محمد ابراهيم
✍️ الصفر البارد
23 May 2026 👁 52
شارك الخبر:

المثل يقول: – إذا كان ربُّ البيت للدفِّ ضارباً، فشيمةُ أهل البيت الرقصُ). هذا المثل الشعبي القديم، الذي قد يبدو بسيطاً، يحمل في طياته حقيقة عميقة وجوهرية تُفسِّر ظاهرة معقدة كالفساد الإداري والمالي. فكما أن إيقاع الدف الذي يضعه ربُّ الأسرة هو الذي يحدد حركة أفراد بيته، وكيف يهتز كلٌّ منهم وفقاً لصوت أنغام الدف، فإن القيادة في أي مؤسسة، سواء كانت حكومية أو أهلية، هي التي ترسم النمط السلوكي السائد فيها. إذا كانت القيادة فاسدة أو متساهلة، فسوف ينتشر الفساد كالنار في الهشيم؛ وإذا كانت نزيهة ومحاربة للفساد، فإن النزاهة تصبح ثقافةً راسخة. انطلاقاً من هذه الحقيقة، يمكننا تشريح كيفية انتشار الفساد، وكيف يجب أن تكون محاربته.

🟢 – إن وجود أي مظهر من مظاهر الفساد في مؤسسة ما، كالرشوة، والمحسوبية، أو الاختلاسات المالية، أو إهدار المال العام، لا يمكن النظر إليه كحالات فردية منعزلة، بل هو دليل قاطع على وجود تفريط أو تواطؤ من قمة الهرم الإداري لتلك المؤسسة. فالمسؤول الأول، الذي يُفترض فيه أن يكون حارساً للنزاهة، إذا أهمل دوره الرقابي أو تغاضى عن المخالفات الصغيرة، فإنه يرسل رسالة ضمنية إلى جميع الموظفين بأن الفساد “مسموح به ضمنياً”. هذا التفريط من الأعلى هو البذرة الأولى التي ينبت منها فسادٌ مستشْرٍ يصعب استئصاله لاحقاً.

🟢 – والمنطق الإنساني والتجارب العملية تؤكد حقيقة لا تقبل الجدل: “المفسِد لا يقرب حوله إلا مفسدين، والشخص النزيه لا يعمل معه إلا من كان فيه نزاهة”. هذه ليست مجرد مقولة أخلاقية، بل هي آلية عمل طبيعية. الموظف الفاسد يبحث عن محيط آمن يسمح له بتمرير أفعاله دون مساءلة، ولذلك فهو يحيط نفسه بأشخاص مثله، إما ليكونوا شركاء أو ليكونوا غطاءً له. بالمقابل، المدير النزيه يفرض معايير صارمة، ويختار فريق عمل يتشارك معه قيم المسؤولية والشفافية، لأنه يدرك أن تعيين شخص فاسد سيدمر كل ما يبنيه.

🟢 – وهنا يأتي دور المثل العربي الأصدق: “الطيور على أشكالها تقع”. فبيئة العمل تصبح مرآة لمديرها؛ فقسوة المدير تنتج موظفين خائفين، ونزاهته تنتج موظفين أمناء، وفساده ينتج موظفين فاسدين.

من هنا نصل إلى نتيجة قاطعة: من المستحيل أن يأتي شخص فاسد ليعمل مع مدير نزيه ويبقى في منصبه طويلاً، أو أن يمارس فساده علناً دون أن يُكشف ويُحاسب. وإذا وُجد شخص فاسد في مؤسسة حكومية أو أهلية واستطاع أن يستمر ويُفسد، فذلك دليل لا يقبل الشك بأن الشخص الذي عيّنه، أو القيادة التي أبقته في منصبه، هي أصل الفساد، أو هي غير مؤهلة تماماً للقيام بعمليات التعيين واختيار الشرفاء. بمعنى آخر، رأس المؤسسة المعنية هو رأس الفساد فيها، سواء كان فاعلاً بفساده أو ساكتاً عليه. فالصمت على الفساد هو شكل من أشكال الرعاية له، ومن يملك القدرة على المنع ولا يمنع فهو شريك في الجريمة.

🟢 – وهنا يأتي دور هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، التي تشكّلت كأمل الأمة في تطهير مؤسساتها. لهذه الهيئة نقول: إن محاربة الفساد تبدأ من القمة، لا من القاعدة. إن تفتيش جيوب الموظفين الصغار والقبض على المبتزين من الدرجة الثالثة هو عمل ضروري لكنه ليس كافياً، بل هو أشبه بقطع رؤوس نبات السُّمّ دون اقتلاع جذوره. الطريقة الصحيحة والفعالة هي أن تهتم الهيئة بـ”أعلى قمم المؤسسات”.

🟢 – افحصوا أداء الوزراء، والمدراء العامين، ورؤساء المؤسسات والقادة، وقادة الهيئات الحكومية. انظروا إلى ثرواتهم، وقراراتهم، وتعييناتهم، وإذا وجدتم فيهم حرصاً حقيقياً على محاربة الفساد، ووجدتم لديهم آليات واضحة للمحاسبة، فهذا هو المطلوب، وهنا ستجدون أن مؤسساتهم نظيفة من أسفلها إلى أعلاها.

🟢 – أما إذا وجدتم في قواعد هذه المؤسسات، من الموظفين العاديين، فساداً مستشرياً، واختلاسات، ورشاوى، ووساطات، وأنتم ترون أن القيادة العليا في صمت مطبق لا تتحرك، فاعلموا عندها أن المفسد الحقيقي ليس فقط ذلك الموظف الصغير الذي سرق رغيف خبز، بل المفسد الأكبر هو ذلك القائد الجالس في المكتب الفاخر الذي يصمت على الفساد ويجعله يستمر بسكوته، بل ربما كل الفساد في منظومته يتم لأن له نصيب الأسد في الفساد الذي يحدث، وهو عامل (اضان الحامل طرشة مخصوص لأجل تنمية ما ينهب عبر فساد صغار الموظفين لديه).

🟢 – فالصمت عن الفساد في موقع القيادة هو أشد أنواع الفساد خطراً، لأنه يُشرِّع للفساد ويحوله إلى نظام. إن علاج الفساد لا يبدأ بتغيير الموظف الصغير، بل بتغيير ثقافة القائد الكبير، ومحاسبة كل من يتغاضى عن الفساد أو يغطيه. عندها فقط، عندما يضرب ربُّ البيت دُفَّ النزاهة، سيرقص أهل البيت على إيقاع القانون والشفافية. والنصيحة تقول: إذا أردت أن تغسل الأرفف، عليك أن تبدأ بصب ماء الغسيل من أعلى الأرفف، لأن خاصية الماء هي الانسياب إلى أسفل.

🟢 – آخر المداد:

ويا هيئة النزاهة الكرام، لو تكرمتم، لدينا طلب بسيط منكم، وهو:- بالله عايزين غسيل ونظافة الفساد من البلد يكون بإضافة أفكار نظافة تساوي قوة (حامض HCL – – حمض الهيدروكلوريك) المركز بنسبة 100%، أو حمض الكبريتيك المركز بنسبة 100% كذلك. بعدها، ولو تم ذلك حسب قولي هذا، بعدها لو الشعب لقى في البلد فساداً، ارمُوا اللوم عليَّ أنا .

ألا هل بلَّغت؟ اللهم فاشهد. فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.