صدى الحقيقة

تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٤٠)

د. ياسر محجوب الحسين
د. ياسر محجوب الحسين
✍️ كتابات حرة
18 May 2026 👁 57
شارك الخبر:

في رحاب هذا الشاطئ الواسع، حيث تلاطم أمواج الصحافة السودانية بين الشدة واللين، وبين صخب العواصف ونعومة النسائم، تأتي أمواج ناعمة في حلقة جديدة بالرقم (٤٠) ضمن سلسلة "تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية" لترسم لوحة فنية نادرة: موجة عتيقة الجذور، عميقة التجربة، قد خاضت أنواء الزمان وعرفت طعم الملوحة والعذوبة، وموجة شابة متدفقة، تسابق الزمن وتتلألأ ببريق الشباب وصدق الهمة.

هنا يلتقي فتح الرحمن النحاس، المخضرم الذي صقل قلمه في أتون عهد نميري، وسط أشهر صحيفتين في تاريخ السودان، صاحب بالواضح الذي لا يداري ولا يهادن، والذي جمع بين حديد الموقف وتواضع الأكفاء، وبين محمد جمال قندول، نجم الشباب الذي لمع كالبرق في سماء المهنة، يسابق سني عمره القصيرة، ويبني بقلمه النشيط جسورا بين الميدان والتحليل، وبين الشهادة والتأثير.

رجلان من جيلين، وموجتان من بحر واحد: أحدهما يمثل عمق التجربة وصلابة الماضي المجيد، والآخر يجسد حيوية المستقبل ونبض الجيل الجديد. يلتقيان في معين واحد: حب الوطن، وإيمان عميق بقيمة الكلمة، وإخلاص لرسالة الصحافة في أحلك الظروف.

في أمواج ناعمة، نرصد هذين النموذجين، لنشهد كيف تتشكل سواحل الزمالة الصحفية بأمواج مختلفة السرعة، متحدة الروح.. أمواج ناعمة في ظاهرها، قوية في تأثيرها، خالدة في أثرها.

فتح الرحمن النحاس

النحاس سيف الكلمة المخضرم وعنفوان الرؤية.. في "تلغرافات" هذه، نجابه موجة أخرى.. موجة قوية الدفق، صلبة الجذور، تحمل في طياتها تاريخا صحفيا عريقا.

فتح الرحمن النحاس صحفي مخضرم، من الجيل الذي صقل في أتون المعارك الصحفية الحقيقية. بدأت رحلته المهنية في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، في أزهى فترات الصحافتين السودانيتين الأشهر: صحيفة الصحافة وصحيفة الأيام. من عمل فيهما يعد تلقائيا من جيل المخضرمين، جيل الذين ذاقوا طعم الصحافة المؤممة والحرة والمسؤولة في آن واحد.

خريج الإعلام، وحاصل على الماجستير، ترأس تحرير صحف "السودان الحديث" و"الجمهورية" و"الشاهد" ، وخاض معارك كثيرة بالقلم دون أن يلين أو ينحني. اشتهر بعموده الشهير أولا "حواجز"، ثم "بالواضح"، الذي يعد اليوم من أبرز الأعمدة السياسية الراتبة في الصحافة السودانية. يكتب بأسلوب حاد الرؤية، واضح الموقف، لا يهادن ولا يجامل في الدفاع عن أفكاره ورؤيته السياسية والفكرية، بل يدافع عنها بكل قوة وعنفوان.

يمتلك خبرة طويلة تمتد بين الصحافة الورقية والإلكترونية. وتولى مهام المستشار الصحفي والثقافي بسفارة السودان في ليبيا، مما أضفى على تجربته بعدا دبلوماسيا وثقافيا.

يظهر باستمرار كمحلل سياسي على القنوات السودانية والعربية، وينشر تحليلاته في منصات مثل الطابية وشاهد عيان. يعرف بمواقفه الوطنية القوية، حيث يقف بلا تردد مع القوات المسلحة كصمام أمان للسيادة والأمن القومي، ويوجه انتقادات حادة لقوات الدعم السريع وتنسيقية تقدم ومن يراهم مرتهنين لأجندات خارجية.

ورغم حدة قلمه وصلابة مواقفه، فهو صاحب طرفة موطأ الأكناف. متواضع جدا حين تجده بين مرؤوسيه، لا تكاد تفرق بين المحرر المستجد ورئيس التحرير. يعامل الجميع بروح أبوية هادئة، مما جعله محترما ومحبوبا داخل المؤسسات التي عمل فيها.

فتح الرحمن النحاس.. مخضرم بكل ما تحمله الكلمة من معنى: قلم لا يلين، رؤية لا تشترى، وتواضع يليق بمن عاش الصحافة على حقيقتها، وما زال يحمل لواءها بكل عنفوان.

في أمواج ناعمة، يأتي ليذكرنا أن بعض الأمواج تحمل في طياتها قوة البحر كله، وتظل شامخة حتى بعد عقود من هبوب الرياح.

محمد جمال قندول

قندول نجم شاب يسابق الزمن

يبرز كنموذج لجيل الشباب الذي لمع نجمه بسرعة مذهلة، كأنه يسابق سنين عمره القصيرة ويحصد فيها ما يحتاج غيره عقودا ليصل إليه. صحفي، يعد من أنشط الأقلام في تغطية الشأن السياسي والعسكري والتحولات الدبلوماسية المرتبطة بالأزمة السودانية. ينشر مقالاته وتقاريره السياسية في صحف ومنصات بارزة أبرزها صحيفة الكرامة السودانية ومنصة سودان تمورو، حيث يركز على دعم مؤسسات الدولة والجيش السوداني، ويتابع تطورات المعارك ميدانيا بتحليلات عميقة تربط الأبعاد الإقليمية والدولية بمسار الحرب.

تميز قندول بقدرته على صناعة سلاسل حوارية ميدانية مؤثرة، أبرزها:

سلسلة نجوم في الحرب التي وثق فيها شهادات شخصيات سودانية عامة وازنة.

سلسلة صائمون في السودان التي رصدت عودة الحياة الاجتماعية والأنشطة اليومية داخل العاصمة والولايات.

كما حقق انفرادات مهمة بحوارات نوعية مع قادة ميدانيين منشقين عن قوات التمرد، كاشفا كواليس سياسية وعسكرية حساسة.

ولم يقتصر نشاطه على الكتابة، بل يدير منصة ومجموعة "الجمهورية الرابعة" على تطبيق واتساب، التي تضم نخبة من قادة الرأي والمجتمع، وتعمل على تنظيم مبادرات اجتماعية ولقاءات تواصلية بناءة.

محمد جمال قندول من جيل الشباب، لكنه يحمل هم الوطن وعمق المخضرمين. قلم نشيط، مبادر، وواع، يثبت يوما بعد يوم أن الجيل الجديد قادر على حمل الراية بقوة ومسؤولية، وأن النجوم اللامعة لا تنتظر طويلا حتى تكتمل دورتها.

في "أمواج ناعمة"، يأتي قندول ليذكرنا أن بعض الأمواج الشابة تكون الأسرع والأعمق تأثيرا في تشكيل شاطئ المستقبل.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.