صدى الحقيقة

عودة الكبير

ابراهيم قبوجة
ابراهيم قبوجة
✍️ كتابات حرة
14 May 2026 👁 55
شارك الخبر:

عاد الزعيم … فعادت معه الأشياء الجميلة إلى مكانها الطبيعي.

عاد بعد سنواتٍ ثقيلة، حملت في أيامها وجع الحرب، ومرارة البعد، وحنين الجماهير التي كانت ترى في الأحمر والأصفر أكثر من مجرد فريق كرة قدم؛ كانت ترى وطناً صغيراً يسكن القلوب أينما ارتحلت الأجساد.

ثلاث سنوات كاملة قضاها المريخ بعيداً عن أرضه، متنقلاً بين الملاعب والغربة، يشارك في الدوري الرواندي، ويقاتل من أجل البقاء واقفاً رغم الظروف القاسية التي عصفت بالسودان.

لكن الأندية الكبيرة لا تُقاس فقط بالبطولات، وإنما تُقاس بحجم الحب الذي يسكن جماهيرها، وذلك ما أثبتته جماهير المريخ وهي تستقبل فريقها استقبال الفاتحين.

منذ اللحظات الأولى لوصول البعثة إلى الخرطوم، كان المشهد أكبر من مجرد استقبال رياضي.

المطار امتلأ بالأهازيج، والأعلام، والدموع التي اختلطت بالابتسامات. خرج الشيب قبل الشباب، والنساء قبل الرجال، والأطفال وهم يرتدون الأحمر والأصفر كأنهم يعلنون أن الفرح عاد أخيراً إلى المدينة.

كانت الخرطوم بالأمس متوشحةً بلوني المريخ، وكأن النيلين أنفسهما كانا يرددان مع الجماهير:

“عاد سيد البلد… عاد الحبيب.”

لم تكن تلك الحشود تبحث عن انتصار في مباراة، ولا عن كأسٍ جديدة تُضاف إلى خزائن النادي، بل كانت تبحث عن شيء أعمق؛ عن الإحساس بالألفة، وعن استعادة جزء من الحياة التي سرقتها الحرب من الناس.

فالمريخ بالنسبة لجماهيره ليس مجرد نادٍ رياضي، بل ذاكرة وطن، وصوت مدرجات، وحكايات أجيال تربت على حب هذا الكيان الكبير.

وفي مقر الإقامة تواصلت لوحات الوفاء، حيث تحولت الطرقات إلى مهرجان حبٍ خالص.

الهتافات ارتفعت، والأغاني القديمة عادت تُغنى من جديد، وكأن الجماهير أرادت أن تقول لفريقها:

“مهما طال الغياب… مكانكم محفوظ في القلوب.”

إن عودة المريخ إلى السودان ليست حدثاً رياضياً عادياً، بل رسالة تؤكد أن هذا الشعب، رغم الجراح، ما زال قادراً على صناعة الفرح، وأن الرياضة يمكن أن تكون جسراً للمحبة ولمّ الشمل في زمن التفرق.

عاد المريخ…

وعادت معه الروح.

عاد ليجد شعباً كاملاً ينتظره بالشوق ذاته، والحب ذاته، والوفاء ذاته الذي لا تغيّره المسافات ولا تطفئه السنوات.

فمرحباً بالمريخ في أرض السمر، أرض النيلين، الأرض التي تعرف جيداً أن بعض الكيانات لا تغيب عن الوطن حتى وإن ابتعدت عنه المسافات

يا مريخُ عُدتَ والنيلُ مشتاقٌ إلى

صوتِ الجماهيرِ والأحلامِ والوترِ

عُدتَ الخرطومُ تلبسُ ثوبَ فرحتِها

كأنّها العيدُ بعدَ الحزنِ والكدرِ

ثلاثُ أعوامِ غُربةٍ ما انحنى علمٌ

ولا انطفأَتْ في القلوبِ جمرةُ الظفرِ

جاءَ الشيوخُ معَ الأطفالِ في ولهٍ

والحبُّ يجري كفيضِ النيلِ في البشرِ

هذا المريخُ… لا نادٍ نُشجّعُهُ

بل موطنٌ من هوىً يسري مع العمرِ

الأحمرُ الوهاجُ في الأرواحِ منزلُنا

والأصفرُ الشمسُ فوقَ السهلِ والحضرِ

عادَ الحبيبُ فعادتْ ضحكةُ المدنِ

وعادَ دفءُ الليالي بعدَ مُنحدرِ

يا سيدَ البلدِ الموشى بطلتِهِ

تبقى كبيراً على الأيامِ والسيرِ

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.