*فشل متكرر وتبعية مكشوفة*
منذ تأسيسها في عام 1945، حملت جامعة الدول العربية على عاتقها أمانةً كبرى: تمثيل الأمة العربية، وحماية مصالحها، والدفاع عن قضاياها العادلة. لكن مع مرور العقود، تحول هذا الحلم إلى كابوس متكرر، وأثبتت الممارسة أن الجامعة لم تكن سوى واجهة بائسة للفشل، وخانعة لإرادات القوى الكبرى، ومستسلمة لضغوط المال السياسي والنفوذ المشبوه. ففي كل أزمة تمر بها الأمة العربية، تجتمع الدول الأعضاء في مقر الجامعة بالقاهرة، حاملةً آمال شعوبها، لكنها تخرج بقرارات هزيلة معظمها ( فيه جبن لا يصدر الا من دول جبانة ) أو بيانات استنكارية لا تحرك ساكناً، لتبقى القضايا العربية معلقة في هواء العجز والتخاذل.
-لقد اعتادت جامعة الدول العربية أن تكون مسرحاً للمسلسل الهزلي نفسه: أزمة، ثم انعقاد طارئ، ثم خطب حماسية، فبيانات تدين وتستنكر، وأخيراً تعليق الأمل على اللجان أو التكتم. صاحب المشكلة الأصلي يغادر قاعة الاجتماعات خائب الظن ، وقد اكتوى بنار الرفض العربي المبطّن، الذي يتقن فن التملص تحت شعار “احترام السيادة” أو “تفادي التصعيد”. هذه الآلية المعهودة جرّأت المعتدي، وأحبطت المدافع، وكشفت حقيقة الجامعة: أنها نادٍ للحوار لا لغرفة الحرب، ومجمع تفاهمات لا محكمة عدالة.
– آخر هذه الحلقات المأساوية كان ما جرى مع السودان امس الأول ، في اصدر قرارا الذي طلب قبل أيام عبر مذكرة رسمية أن تدين جامعة الدول العربية العدوان الإثيوبي على مطار الخرطوم والتجاوزات على حدوده وسيادته. كان المطلوب بسيطاً وواضحاً: كلمة حق تدين انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. لكن سرعان ما تبين أن إدانة إثيوبيا تشكل “إحراجاً” كبيراً؛ لأنها ستجر بالتبعية إدانة دولة الإمارات العربية المتحدة، المتهمة بدعم أطراف النزاع في السودان والوقوف خلف مليشيات تعبث باستقرار البلاد.
ـ وهنا يكشف القناع عن الوجه القبيح لجامعة الدول العربية: أصبحت أداةً بأيدٍ لا تملك القرار المستقل، بل تنتظر التوجيه من واشنطن أو الضوء الأخضر من لوبيات النفوذ. هناك دول أعضاء تعيش على عطاء الإمارات المالي السخي، وأذرعها ممدودة لالتقاط الفتات. ممثلو هذه الدول يركضون في أروقة الجامعة كالخيول المُسَخَّرة، مهمتهم الأولى والأخيرة حماية مصالح المانحين، لا نصرة المظلومين.
-إنهم لا يبالون إن ضاع حق، أو سُفكت دماء، أو مُزقت أرض عربية، طالما أن الحسابات البنكية لا تتأثر، والمساعدات المالية تستمر في التدفق. هذا هو العمود الفقري لـ (العمل العربي المشترك الكذوب النفاقي ) اليوم الأولوية الي مصالح دوله المقر حتى لا تحجب منها هبات ومنح الامارات حتى تطير المنج والهبات كما يطير الدخان (حسب أفلام عادل امام ) .
– أما القرارات في الجامعة العربية، فلم تمر يوماً بمشورة شعوبها أو باستقلال أعضائها.
-فالقرار المصيري لا يُتخذ إلا بعد أن تمر عليه واشنطن، وتقرأه “الماسونية العالمية”، وتوافق عليه اللوبيات الحاكمة. وعندها فقط تُصاغ البيانات ببرود سياسي، وبمصطلحات فضفاضة، لا تخدم أحداً سوى من يريد تجميد الأزمات لا حلها. من فلسطين إلى ليبيا، ومن سوريا إلى السودان، شهدت الجامعة أفشل محاولات الوساطة، وأتعس صيغ المصالحة، وأكثر القرارات تجاهلاً لمتطلبات الأمن القومي العربي. لقد أصبحت القرارات مجرد انعكاس سياسي لميزان قوى هش، لا تعكس حالة الأمة ولا تلامس وجعها.
وبناءً على كل ما سبق،
فإننا نطالب السودان، حكومة وشعباً، بأن يتخذ خطوة جريئة وحاسمة وهي :- الانسحاب الفوري من هذه الجامعة التي خانته بقراراتها، وتخلت عنه في أحلك لحظاته. السودان ينزف، حدوده مهددة، سيادته منتهكة، وجامعة الدول العربية لا تقدم له سوى المشاهدة الباردة والتضامن اللفظي الرخيص. فما الفائدة من الانتماء إلى منظومة لا تعمل إلا بإرضاء عملاء أمريكا والماسونية العالمية؟ ما الجدوى من بقاء دولة عربية داخل مؤسسة لا تحمي حقوقها ولا تدافع عن قضيتها، بل تجعل من قضاياها أوراقاً للمساومات؟
لقد آن الأوان للسودان أن يرسم طريقه بنفسه، وأن يبحث عن حلفاء جدد ينصرونه لا يتاجرون بقضيته. الخروج من جامعة الدول العربية ليس هروباً، بل هو كرامة واستعادة لإرادة القرار. فالجامعة التي فشلت عبر تاريخها في جمع كلمة العرب، لا تستحق بقاء السودان فيها. فالشعب السوداني العظيم الذي قدم التضحيات الجسام في كل القضايا العربية، أحق بأن يجد من ينصره، لا من يتخلى عنه أمام أعين العالم.
*آخر المداد*
-في النهاية، تبقى جامعة الدول العربية رمزاً لفشل جماعي، ومتحفاً للحسرات العربية. فإما أن تتغير جذرياً، وهو أمر مستبعد، وإما أن تفقد ما تبقى من مصداقية بخروج الدول الأبية منها. وليبدأ السودان الطريق نحو كسر هذا التابوت العربي الخانق، لعل الآخرين يقتدون به.
فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلي الله إن الله بصير بالعباد.