صدى الحقيقة

بين من يرفع سيرته الذاتية ومن يرفع سيرة الوطن

جلال الدين محمد ابراهيم
جلال الدين محمد ابراهيم
✍️ الصفر البارد
11 May 2026 👁 45
شارك الخبر:

مقدمة :-

في زمن أصبحت فيه الصورة أقوى من الجوهر، والبرقيات الإعلامية أسرع من الإنجازات الحقيقية، برز سؤال جوهري: هل يعمل السياسي في بعض دول العالم الثالث ( الذي لا قيمة لراي الشعب فيه ) تلك الشخصيات هل تعمل من أجل اسمها أم من أجل وطنها ؟ … بالطبع الفرق شاسع بين رجل مهموم برفع سيرته الذاتية ، وآخر لا ينام الليل تفكيراً في مصلحة شعبه. وبين هذين النمطين تقوم الأمم أو تنهار. ولذلك اطلق عليهم ( العالم الثالث).

🟢 – أولاً: الشخصية الأولى – مهموم برفع سيرته الذاتية:-

هذا النموذج من السياسيين لا يرى في المنصب الدستوري إلا سُلّماً شخصياً لتحقيق حلم حياته: أن يصبح رقماً مهماً في قائمة من تقلدوا أعلى المناصب. همه الأكبر هو أن يُذكر اسمه في وسائل الإعلام، وتجده كثير السفريات الدولية والمقابلات العالمية وبدون انجاز ويعود من السفريات الخارجية خالي الوفاض مجرد ( نزهة ترفيهية على حساب الشعب) ،، وهو يعشق أن تُعلق صورته في القاعات وفي الطرقات ، وأن يكتب التاريخ (كما يتوهم) أنه كان حاضراً في لحظة مفصلية وانه يعشق ادعاء الإنجازات الوهمية . لكن المفارقة أن إنجازاته الحقيقية لا تساوي في ميزان الأثر قيمة المداد الذي يُكتب به اسمه.

🟢 – فهو يوقع الاتفاقيات ليُصور، لا لينجز؛ ويطلق المشاريع ليُعلن عنها، ولا تنفذ ولا لتنفع الناس؛ ويتحدث عن الوطنية في المهرجانات بينما يضع مصلحته الشخصية فوق كل اعتبار. إنه سياسي “الكاريزما” دون “الجوهر”، يبني سيرة ذاتية حافلة بالألقاب، خالية من البصمات. ينشغل بمنجزاته الوهمية على حساب حاجات وطنه الحقيقية ،، لا يعرف حتى معنى البنية التحتية، التعليم، الصحة، والعدالة الاجتماعية. بالنسبة له، النجاح هو استمرار وجوده في الصورة، وليس تحسين حياة مواطن واحد.

🟢– لا يعرف كيف يصدر القرارات لصالح الشعب ،، وحتى لو أصدرها فهي تصدر منه بنوع من الهمجية والجهل وعدم الموضوعية ( كما يفعل ترامب الان من قواته في مضيق هرمز على سبيل المثال ) ،، ويظن في نفسه انه صانع المستحيل وان البعض يحسدونه على ما وصل اليه من منصب وموقع قيادي ،، وهو لا يعلم بان الأغلبية من الناس لا تريد ان ان تذكر اسمه حتى لا تنقص حساناتهم لصالح شخص افشل عليهم حياتهم .

🟢 – ثانياً: الشخصية الثانية ( الوطني الذي يعمل لاجل الشعب ):-

أما الوطني الحقيقي، فتجده هادئاً، ربما لا تحفل به وسائل الإعلام كثيراً لأنه مشغول بالعمل لا بالظهور. همه الأول أن يُغادر المنصب وقد ترك وطنه أفضل مما كان عليه. لا يبحث عن الألقاب، بل عن الأثر. ينام وفي رأسه هموم البطالة بين الشباب، وتلوث نهر، ومستشفى ناقص التجهيزات. وتأمين البلاد وتسليح الجيش و لا يتردد في اتخاذ قرارات غير شعبية مؤقتاً إن كانت تؤدي إلى مصلحة دائمة للبلاد، حتى لو كلفته ذلك شعبيته.

🟢 – إنه يخطط لعشرين سنة قادمة، لا لانتخابات العام القادم. يزرع أشجاراً قد لا يظللها، ويبني مدارس قد لا يدخلها حفدته، ويشرع قوانين تكافح الفساد ولو تورّط فيها أصدقاؤه. هذا الرجل لا يسأل: “هل سيُكتب اسمي في التاريخ؟” بل يسأل: “هل ستذكر الأجيال القادمة أن السنوات التي توليت فيها المسؤولية كانت سنوات خير ونهضة؟” فرق شاسع بين من يبني إرثاً لذاته، ومن يبني دولة.

🟢 – ثالثاً: مقارنة بين عالم السياسة في العالم الأول والعالم الثالث

في العالم الأول (الدول المتقدمة غالباً)، صار النموذج الوطني هو السائد ثقافياً. السياسي الذي يبقى طويلاً رغم ضعف ظهوره الإعلامي يُحتفي به (مثل رئيس وزراء فنلندا الأسبق الذي رفع جودة التعليم دون أن يكون نجماً). الإعلام يفضح من يضع سيرته الذاتية فوق وطنه، والرأي العام يعاقب “صيادي المناصب”. السياسة مؤسسة لا منصة شهرة. الشعوب هناك تقيس الحاكم بعدد البطاقات التموينية التي خُفضت، وليس بعدد حفلات الافتتاح التي حضرها.

🟢 – أما في العالم الثالث، فكثيراً ما تعاني المجتمعات من استفحال “سياسيين السيرة الذاتية”. حيث يصبح المنصب غنيمة، والوظيفة العامة وسيلة إثراء ورفع شأن شخصي. تجد أن الإنجازات المعلنة لا تتناسب مع حجم الأضواء المسلطة على صاحبها. المشاريع تبدأ باحتفالات صاخبة وتنتهي بصمت وعدم جدوى بل فشل .. وربما بفضائح. هنا، كلمة “الوطن” تصبح غطاءً للمصالح الخاصة، ويتم توظيف الخطاب الوطني لتمرير الأجندات الشخصية. والفرق أن المجتمعات في العالم الأول تمتلك أدوات محاسبة (قضاء، إعلام حر، مجتمع مدني) بينما في العالم الثالث غالباً ما يفلت “أصحاب السير الذاتية” من العقاب، بل يكرمون بعد انتهاء ولاياتهم رغم فشلهم الذريع.

🟢 – اخر المداد :-

إن الفارق بين من يعمل لرفع وطنه ومن يعمل لرفع سيرته هو الفارق بين بناء الحضارة وصناعة الأوهام. فالأول يبني جسراً يمر عليه الناس، والثاني يبني نصباً تذكارياً ( تمثال ) على ذلك الجسر. وحين تحكم الأمم، تأكد أنه في اللحظة التي تفضل فيها السيرة الذاتية على السيرة الوطنية، فإن الشعوب تدفع الثمن غالياً. أما عندما يتصدر المخلصون مشهد العمل العام، فإن الأوطان ترتقي، وحينها تُكتب السيرة الحقة لأصحابها بالذهب، لا بالمداد الذي يمحوه الإعلام بمجرد انصرافه إلى وجه جديد. فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الي الله ان الله بصير بالعبارد

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.