صدى الحقيقة

تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٣٧)

د. ياسر محجوب الحسين
د. ياسر محجوب الحسين
✍️ كتابات حرة
09 May 2026 👁 50
شارك الخبر:

في رحاب شاطئ الصحافة السودانية الممتد، حيث تتلاطم أمواجها بين الشدة واللين، وبين العواصف والنعومة، تأتي أمواج ناعمة هذه الحلقة لترسم صورتين متباينتين في العمر، متحدتين في الرسالة.

هنا يلتقي رحاب طه، القبطان المخضرم الذي عبر بالسفينة الوفاق أنواء قاسية بعد اغتيال شقيقه، والذي لا يعرف المداهنة ولا يخشى مواجهة الرياح بصدره العاري، مع محمد عبد العزيز، الشاب الذي سبق زمنه وأقرانه، والذي يحمل على كتفيه الفتية مهمة الدفاع عن حرية الكلمة، ويكتب أسرار التاريخ بمداد الشجاعة المبكرة.

رجلان في تجربتين مختلفتين، لكنهما يلتقيان في رحاب مهنة واحدة: الصحافة السودانية. أحدهما شجرة نخيل شامخة تحملت العواصف طويلا، والآخر نبتة قوية تطل برأسها نحو السماء قبل الأوان. كلاهما يمثل نموذجا صادقا للصحفي الذي يجمع بين حديد الموقف ودفء الإنسانية، وبين النقد اللاذع والقلب الكبير.

في الحلقة السابعة والثلاثين من تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية، نرصد معا هذين النموذجين، لنرى كيف تستمر رسالة الكلمة الحرة، جيلا بعد جيل، موجة ناعمة تكسر صخور الزمن بهدوء مدو.

رحاب طه

رحاب.. سيف لا ينثني، وشجرة تمسك بالسماء في عاصفة الدهر في أرض نخيل وصحراء شاسعة، حيث تتلاطم أمواج السياسة والإعلام كأنها نيل هائج، برز رحاب طه كأحد رموز الصحافة الشجاعة. لم يكن مجرد صحفي، لكنه كان نارا تشتعل في ليل الظلم، وصخرة تتحدى ظلام الخوف.

عندما اغتيل شقيقه محمد طه محمد أحمد، مؤسس صحيفة الوفاق، في عام 2006 في حادثة اقشعر لها الجسد وارتعدت لها القلوب، كان الظلام يلف المؤسسة كسحابة ثقيلة. لكن رحاب لم يرتعد. امتلك إرادة حديدية ومثابرة لا تعرف الاستسلام، فتولى رئاسة التحرير في أحلك الظروف، كمن يمسك بدفة سفينة تكافح الأنواء. وعبر بها، ببراعة القبطان المخضرم، إلى بر الأمان، محافظا على صوتها حيا نابضا رغم كل الرياح العاتية.

كان رحاب، وما زال، لسان الصراحة المشرع، وسوط النقد اللاذع. لا يعرف المداهنة، ولا يجيد الصمت أمام ما يراه مخالفا للحق. إن رأى انحرافا، سل سيفه الكلامي دون تردد. هذا النهج جلب له المتاعب كالأمطار الغزيرة، ووضعه في مواجهات حادة، لكنه لم يثنه قيد أنملة. فالرجل الذي يؤمن بالحق لا يخشى غضب السلطان، ولا يحسب حساب الرياح.

ومن أعجب ما فيه أنه جمع بين حديد الصحافة ودفء الإنسانية. فهو لم يكن صحفيا يجلس في برج عاجي، بل كان أخا للجميع، سباقا في إغاثة المستغيث، ومواساة المكروب، وزيارة المريض. علاقاته الإنسانية كانت كالنهر الجاري: لا يميز بين غني وفقير، ولا بين قريب وبعيد. كل من احتاج مؤازرة وجد في رحاب طه سندا ورفيقا وأبا روحيا.

كان عضوا بارزا في المجلس الأربعيني للاتحاد العام للصحفيين السودانيين. وفي أكتوبر 2017، روى له حادثة مطار القاهرة قصة أخرى من قصص صموده: احتجزته السلطات المصرية مع ابنه المريض الذي كان يحتاج علاجا عاجلا، ثم أعادته إلى الخرطوم في اليوم نفسه. موقف أثار استنكارا واسعا، وأكد مرة أخرى أن رحابا يدفع ثمن جرأته ووضوحه.

وحتى في أيامه الأخيرة، لم تخل حياته من التحديات. ففي أكتوبر 2025 وهو يجد في مهنة اجداده بين نخيل وأشجار فواكه الشمالية المعطاءة سلوى ومصدر رزق تبخل به مهنة الصحافة مهنة المتاعب، سقطت عليه ألواح معدنية (زنك) أثناء كده من جبين عرقه، تاركة إصابات جسدية أثرت على صحته. لكن من يعرف رحاب يدرك جيدا أن الجسد قد يكسر، أما الروح فتبقى شامخة كالنخلة السودانية التي لا تنحني إلا للرحمن.

رحاب طه ليس مجرد اسم في عالم الصحافة السودانية.. إنه رمز للإصرار، صوت للحقيقة، وقلب كبير في زمن ضاقت فيه القلوب. رجل اختار أن يمشي على الشوك ويزرع الورد، وأن يواجه العواصف بابتسامة المؤمن الواثق.

محمد عبد العزيز

محمد الصحفي الشاب الذي سبق الزمن.. صوت يفوق سنه. في أروقة نقابة الصحفيين السودانيين وهي جسم موازٍ للاتحاد العام للصحفيين السودانيين، حيث تتزاحم أصوات الحقيقة تحت وطأة العواصف، يبرز محمد عبد العزيز كنجم لامع من جيل الشباب، لكنه عملاق تجاوز عمره وسبق أقرانه بمسافات. إنه ليس مجرد صحفي شاب، بل برق يضيء ليل الوطن، وقلم ناضج قبل أوانه، حقق إنجازات تكبر على سنه وتفوق طموحات جيله.

يعد محمد صوتا مؤثرا في الدفاع عن حرية الصحافة في السودان، يحمل على عاتقه مهمة رصد الانتهاكات التي يتعرض لها الزملاء الصحفيون، كشاب يحرس حدود النور في ليل الاستبداد بقلب جريء وعزم لا يلين. لا ينتظر الضحية حتى تصرخ.. بل يسبقها بالتوثيق والفضح والمواجهة، فهو حارس الكلمة في زمن تستهدف فيه الكلمة بالرصاص والسجن. صحفي مهني اجاد إلتقاط الخبر الأكيد وكتابة التقارير الغنية بالمعلومات.

وامتد إلى ساحة التحليل السياسي الجريء. يظهر باستمرار كمحلل ثاقب على شاشات قناة العربية - الحدث وسودانية 24، يفكك التعقيدات السياسية والعسكرية للوطن بكل شفافية وعمق، كشاب يمتلك رؤية ناضجة تفوق كثيرين ممن هم أكبر منه سنا.

وفي يونيو 2025، أضاف إلى مسيرته المهنية إنجازا نوعيا يشهد على نبوغه المبكر، حيث صدر له كتاب الشاهد الأول ضد بن لادن، الذي يفتح أبواب أسرار تنظيم القاعدة وعلاقته بالسودان. تم تدشين الكتاب في العاصمة الأوغندية كمبالا، ليصبح شهادة تاريخية جريئة تسجل بمداد من الشجاعة والتوثيق، وتثبت أن محمدا من ذلك النوع النادر الذي ينجز في سن الشباب ما يعجز عنه الكثيرون بعد عقود.

امتلك محمد خبرة عريضة محليا ودوليا في مجالات التواصل والإعلام، حيث تعاون مع مؤسسات بحثية مرموقة مثل معهد واشنطن كمحرر ومنسق مشاريع. هذه الخبرة المبكرة، مع إنجازاته المتتالية، تجعله نموذجا للشاب السوداني الطموح الذي لم ينتظر دوره، بل صنعه بنفسه وفرضه على الواقع.

محمد.. شاب من جيل الشباب، لكنه عملقة في زمن الأقزام. حقق الكثير مما يفوق عمره وأقرانه، وما زال في بداية الطريق. صوت سوداني أصيل، يكتب التاريخ وهو يعيشه، ويرفع راية الحرية والحقيقة بيد شابة لا ترتجف.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.