صدى الحقيقة

تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية ٣٥

د. ياسر محجوب الحسين
د. ياسر محجوب الحسين
✍️ كتابات حرة
01 May 2026 👁 86
شارك الخبر:

كأنها "أمواج ناعمة" تتهادى على شاطئ الذاكرة، لا تعلو بضجيجها بل تترسخ بأثرها، تأتي هذه الحلقة (٣٥) من «تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية» كرسالة محملة بندى التجربة وصدق الرفقة. هنا، لا نروي سيرا عابرة، بل نلتقط ومضات من حياة رجال جعلوا من الكلمة مهنة ومن الزمالة معنى، فصاروا علامات مضيئة في ليل الصحافة الطويل.

في هذه الوقفة، تلوح لنا صورتان مختلفتان في الإيقاع، متفقتان في الجوهر: المسلمي البشير الكباشي، الذي سار بين العواصف بهدوء العارفين، وعماد عبدالرحيم محمد علي أبوشامة، الذي خاض دروب الكلمة بعناد المؤمنين برسالتها. كلاهما كتب سطوره على شاطئ المهنة، وترك للموج أن يحمل صدى صوته إلى من يأتي بعده.

هنا، عند هذا الشاطئ، تتقاطع الحكايات وتلين الذاكرة، فننصت لما تبقى من أثرهما في الرمل.. قبل أن تمضي الأمواج، وتبقى الحكاية.

المسلمي البشير الكباشي

في أرض السودان الشاسعة، حيث تتلاطم الأحداث كامواج بحر هائج، وتتشابك الخيوط السياسية في فسيفساء معقدة لا تنتهي ألوانها، برز رجل يسير في هدوء وثبات، كأنه تبلدية شامخة في تلال وروابي كردفان (الغرة أم خيرا برة وجوة)، لا تثنيها الرياح العاتية ولا تلهيها زوابع الفتن. ذلكم هو المسلمي البشير الكباشي، الذي اختلطت كلماته بعبق الصوفية الوارف، فكانما ينبعث منها نور ينير دروب القلوب قبل أن يضيء صفحات الجرائد والشاشات.

ولد المسلمي في أحضان أرض حمرة الشيخ بشمال كردفان، من أسرة الكباشي المعروفة شمال الخرطوم بحري، فورث عنها تنوعا ثقافيا يشبه تنوع تضاريس السودان نفسه: سهول خصبة تتداخل مع جبال شامخة، وأنهار تجري في صمت عميق. نشأ في بيت صوفي معروف، فتشرب منذ الصغر ذلك العبق الروحي الذي يجعل الكلمة ليست مجرد حروف تنطق، بل نسيما يهفو على الروح، ووردة تتفتح في حدائق المعاني. ولهذا كانت كتاباته تتدفق سيالا مرهفا، مشبعة بالصور البلاغية والأدبية التي لا يهبها الله إلا لمن امتلك ناصية الكلمة والحجة، كأن قلمه يرقص على إيقاع الذكر الصوفي، يرسم لوحات اجتماعية وعاطفية تلامس أوتار الإنسانية في أعماقها.

تخرج المسلمي من جامعة أم درمان الإسلامية، قسم الصحافة والإعلام عام 1983م، ثم حصل على الماجستير، وهو يعد رسالته للدكتوراه. بدأ مسيرته في تلفزيون السودان، ثم في صحف الخرطوم المحلية، حيث كان قلمه ينحت الحقيقة بصدق وأناة. لكن القدر أراد له أن يلتحق بشبكة الجزيرة الإعلامية حوالي عام 2005، ليصبح مديرا لمكتبها في السودان لأكثر من واحد وعشرين عاما، قضى عاما منها في مركز الشبكة بالدوحة. كان ذلك المكتب في قلب عاصفة الأحداث: ثورات تشتعل كالبركان، نزاعات مسلحة تزلزل الأرض، وتحولات سياسية تتقلب كالأفاعي في متاهات السلطة. ومع ذلك، ظل المسلمي يقود فريقه باحترافية عالية، وأداء موضوعي نادر، كأنه بحار ماهر يجتاز أمواجا عاتية دون أن يفقد بوصلة الحقيقة أو ينحرف عن شرف المهنة.

لم يكن المسلمي مجرد إعلامي ينقل الأخبار؛ كان رجلا خلوقا حتى الثمالة، متبتلا في محراب العلاقات الاجتماعية، خاصة علاقات الزمالة. يعامل زملاءه كإخوة في محبة صادقة، ويبني جسور الثقة حيث ينهار الآخرون في وحول المنافسة. تعرض للاعتقال في نوفمبر 2021 أثناء تأدية مهامه، لكنه خرج من التجربة أكثر صلابة، مدعوما بضغوط دولية وحقوقية، كأن القدر أراد أن يختبر معدنه فوجده من الذهب الخالص.

وبعد مسيرة حافلة امتدت قرابة اثنين وعشرين عاما، جاءت لحظة الترجل. في الثاني من فبراير 2026م، الموافق ليلة النصف من شعبان 1447هـ، أعلن المسلمي عبر صفحته الرسمية على فيسبوك انتهاء رحلته المهنية مع شبكة الجزيرة. كتب رسالة وداعية مطولة بعنوان «لحظة الترجل.. أنا وهم والجزيرة»، لخص فيها تجربته الاستثنائية بأسلوب أدبي مؤثر، ينم عن عمق الرجل وصفاء نفسه. وصف ذلك اليوم بانه آخر أيامه في خدمة الجزيرة، مؤكدا أن الانتماء إليها أو الخروج منها يظل خبرا يترقبه الناس، لما للشبكة من حضور قوي وتأثير عميق في المشهد الإعلامي العربي والدولي.

كان ترجله هذا كترجل الفارس عن جواده بعد رحلة طويلة في ميادين الشرف: لا يودع المهنة بمرارة، بل يسكب مدادا جزلا من الوفاء والامتنان، ويترك خلفه إرثا من الاحترافية والموضوعية في جغرافيا شديدة التقلبات والتضاريس السياسية. فالمسلمي الكباشي لم يكن مجرد مدير مكتب؛ كان صوتا صادقا في زمن الضجيج، وقلما مرهفا في بحر السياسة العكر، وروحا صوفية تسبح في أعماق المجتمع، ترصد آلامه وآماله بصدق يشبه صدق الشعراء القدماء.

اليوم، وقد ترجل عن صهوة الجزيرة، يبقى المسلمي شاهدا حيا على عصر من التاريخ السوداني المضطرب، ونموذجا للإعلامي الذي يجمع بين حدة القلم ولين الخلق، وبين عبق الصوفية ودقة المهنة. رحلة استثنائية انتهت، لتبدأ رحلة أخرى في أفق أوسع، حيث تظل الكلمة الصادقة سراجا لا ينطفئ، والرجل الخلوق قدوة تروى أخبارها جيلا بعد جيل.

فسلام عليك أيها المسلمي، في لحظة ترجلك، وسلام على قلمك الذي كتب بمداد من نور.

عماد أبو شامة

في أروقة الزمن السوداني، حيث تتمايل أشجار النخيل على ضفاف النيل كأنها تروي أسرار الأجيال، وُلدت قصة رجلٍ حمل في صدره لهيب الكلمة وفي يده مشعل الإعلام. هو عماد عبدالرحيم محمد علي أبوشامة، الذي عُرف بين الناس بـعماد أبوشامة، كأنه اسمٌ اختصار لمسيرة حافلة بالعطاء والكفاح في ميدان الصحافة.

بدأ رحلته العلمية بدبلوم في الإعلام من جامعة أم درمان الإسلامية، كأنما كان يستمد من تراثها العريق روحاً تتوق إلى الحقيقة والتعبير. ثم انطلق في عام ١٩٩٣، يخوض غمار الصحافة في صحيفة الإنقاذ الوطني حتى ١٩٩٧، حيث كانت أقلامه تُشق طريقاً في ظلال الأحداث الوطنية الكبرى، كالنهر الذي يحفر مجراه بصبرٍ وإصرار.

وفي عام ١٩٩٧، انتقل إلى مجموعة شركات شريان الشمال، فتولى مديرية الإعلام للأمانة العامة وللشركات حتى ٢٠٠٣. كان هناك ينسج خيوط التواصل بين المؤسسة والمجتمع، كالنسيم الذي يحمل عطر الشمال إلى كل أرجاء الوطن. ثم عاد إلى عالم الكلمة المكتوبة، فكان سكرتير تحرير مجلة اتجاهات (٢٠٠٣-٢٠٠٥)، وسكرتير تحرير صحيفة الوحدة (٢٠٠٥-٢٠٠٨)، يبني جسوراً بين الآراء المتباينة في زمنٍ كان فيه الوطن يبحث عن وحدته الحقيقية.

أما ذروة تجربته الصحفية فكانت في صحيفة أجراس الحرية (٢٠٠٨-٢٠١١)، حيث بدأ سكرتيراً للتحرير، ثم مديراً، ثم رئيساً مكلفاً. كانت أجراسها تدق في أعماق الضمير الوطني، صوتاً للشعب، كأنها أجراس حرية الرأي في صحراء التحديات. عاد بعدها إلى شريان الشمال (٢٠١١-٢٠١٣)، ثم توالت تجاربه: مدير تحرير الأهرام اليوم (٢٠١٤-٢٠١٥)، وأول النهار (٢٠١٥-٢٠١٦)، ومرورٌ بـصحيفة المستقلة عام ٢٠١٧، ورئاسة تحرير صحيفة المواكب (٢٠٢٠-٢٠٢١).

ولم تقتصر مسيرته على الصحف، بل امتدت إلى الفعل الثقافي حين تولى مديرية الإعلام لهيئة مهرجان البركل (٢٠١٧-٢٠١٨)، ذلك المهرجان الذي يزهر على سفح جبل البركل الشامخ، شاهداً على حضارة النوبة القديمة، فيحول الرمال إلى لوحة فنية وثقافية تروي مجد السودان.

في خضم هذه الرحلة الطويلة، لم يكن عماد أبوشامة مجرد صحفي يطارد الأخبار، بل كان بنّاءً للكلمة، يحمل في قلبه وطناً يتوق إلى الحرية والوحدة والتقدم. وفي حياته الخاصة، وجد السلام والدفء؛ فهو رجلٌ متزوج، أبٌ لولدين وثلاث بنات، يروي لهم قصص الأيام كما رواها للوطن بأقلامه.

هكذا تمر حياته، كسيمفونيةٍ طويلة، أنغامها مزيجٌ من صخب الصحافة وهدوء الأسرة، وكلها في خدمة وطنٍ يستحق أن تُكتب له أجمل الصفحات

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.