صدى الحقيقة

دماءٌ لا تجف وعهدٌ لا يُخان

ياسر الفادني
ياسر الفادني
✍️ كتابات حرة
01 May 2026 👁 88
شارك الخبر:

ليسوا أرقامًا تُحصى… ولا أسماءً تُتلى في مناسبات فحسب، بل هم وجوهٌ غابت عن العيون وبقيت معلّقة في ضمير هذا الوطن كنجومٍ لا تنطفئ. نحو ألفٍ وثمانمائة شهيدٍ من ولاية الجزيرة تركوا وراءهم وصيةً ثقيلة: أن تُصان أسرهم كما صانوا هم الأرض والعِرض، وأن يُحفظ عهد الدم كما كُتب أول مرة بصدقٍ لا يقبل التراجع

هؤلاء الذين صعدوا إلى الله خفافًا من كل شيء إلا من حب الوطن، لم يُترك أهلهم لليُتم البارد ولا للفقد الجاف، بل طُرِقَت أبواب بيوتهم، ووصلتهم الأيادي التي تعرف قيمة التضحيات، لا بالكلام… بل بالفعل الذي يُشبههم

التعليم فُتِح لأبنائهم بلا قيود، والرسوم سقطت كما تسقط الدموع حين تعجز عن حمل الحزن، مدارس وجامعات، حكومية وخاصة، تواطأت جميعها على شيء واحد: أن أبناء الشهداء ليسوا عبئًا… بل أمانة

الصحة، تلك التي تُختبر عند الشدائد، لم تُترك للصدف. بطاقات التأمين الصحي صارت درعًا يقي أسرهم قسوة المرض، وأطباء الولاية، اختصاصيون كبار، خلعوا أثواب المهنة الجافة وارتدوا عباءة الإنسانية، ففتحوا عياداتهم بلا مقابل، كأنهم يردون دينًا لا يُقضى

ثم جاءت المشاريع الإنتاجية ككرامةٍ تُبنى، وأملٍ يُزرع في أرضٍ سقوها بالدم، مئات المشاريع وُزِّعت، ومائتان أخرى قريبًا جدًا على الأبواب، لأن من قدّم حياته لا يُكافأ بكسرة عيش، بل بباب رزقٍ مفتوح

السكن… هنا تأخذ الحكاية شكلًا آخر. مدن الكرامة التي يجري الترتيب لتشييدها قريبًا، بلا شك لن تكون مجرد جدرانٍ ترتفع، بل معنىً يُعاد تعريفه. بناء رأسيٌّ يُشبه شموخهم، وأحياءٌ تُبنى على اسمهم. مدني الكبرى، الحصاحيصا، الكاملين… ليست مواقع على الخريطة الآن، بل شواهد على أن الوطن، رغم جراحه، لا يزال يعرف كيف يقول (شكرًا)

وفي قلب هذا المشهد، يبرز اسمٌ لامع في دفتر العطاء، حاضرًا في كل تفصيلةٍ من تفاصيل الوفاء… الدكتور إبراهيم الحسن، مدير منظمة الشهيد بولاية الجزيرة رجلٌ لم يتعامل مع الملف كوظيفة، بل كرسالةٍ ثقيلة، حملها بضميرٍ يقظ، وسار بها بين البيوت والملفات والآمال، حتى صار اسمه مقرونًا بالفعل لا بالتصريحات، وبالإنجاز لا بالوعود. لم يكن وحده، لكنه كان علامةً فارقة، يدفع العمل إلى الأمام حين يتردد الآخرون، ويُبقي جذوة الالتزام مشتعلة حين يخفت الحماس

ومن أمامه ، امتدّ دعمٌ لا ينقطع من قيادة المنظمة، اللواء الركن مهلب حسن أحمد، المدير العام لمنظمة الشهيد، الذي يولي هذه الولاية اهتمامًا كبيرًا دعمًا وسندًا وتشريفًا، ويدًا كالريح المرسلة عطاءً. وهناك سندٌ واضح من حكومة الولاية، وزراءٌ لا يزال أثرهم باقيًا، وآخرهم من سهّل تخطيط مدن الكرامة، وواليٌ لم يكتفِ بالرعاية الشكلية، بل قدّم من الدعم ما يجعل الكلمات أصغر من أن تصفه. أما العاملون بالمنظمة… أولئك الذين لم تُسلَّط عليهم الأضواء، فكانوا كالنحل، لا يهدأون، يبنون بصمتٍ ما تعجز عنه الضوضاء

إني من منصتي أنظر… حيث أرى جليًا… هؤلاء هم شهداء ولاية الجزيرة… لم يذهبوا ليُبكوا فقط، بل ليُعلّموا الأحياء كيف يكون الوفاء. وهؤلاء هم أهلهم… أمانةٌ في أعناق من بقي. إن لم نُكرمهم، فنحن لا نخونهم وحدهم… بل نخون المعنى كله.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.