صدى الحقيقة

حرب 15 أبريل في عامها الرابع .. الوقائع .. والسرديات (2-2)

العبيد احمد مروح
العبيد احمد مروح
✍️ كتابات حرة
19 Apr 2026 👁 3
شارك الخبر:

عرضنا في الجزء الأول من هذا المقال، أبرز الوقائع التي حدثت في حرب الخامس عشر من أبريل 2023، في جانبها المتعلق بمليشيا الدعم السريع، خلال ثلاثة أعوام، وانتهينا إلى أن خلاصة وقائع الأعوام الثلاثة، هي أنه ما من جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية موصوفة في القوانين السودانية أو القانون الدولي أو القانون الإنساني الدولي، إلاّ وتم ارتكابها بواسطة مليشيا الدعم السريع، وأن ضحايا تلك الجرائم لم يكونوا في إقليم بعينه، بل كانوا على كامل التراب السوداني، بيد أن الناس في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار والنيل الأبيض، وفي إقليمي كردفان و دارفور كانوا الضحايا المباشرين لتلك الانتهاكات، فحالات التهجير والإخفاء القسري والنهب والقتل والاغتصاب والاستعباد الجنسي والتجويع والتعذيب والتصفية العرقية، وكل أنواع الانتهاكات الموصوفة في أي قانون، حدثت في هذه الولايات.

وفي هذا الجزء من المقال، سنركز بشكل مجمل أيضاً، على “السرديات” التي اعتمدها ونفذها مخططو ومشعلو الحرب، وكيف تمّت محاولات تصوير وتسويق ما جرى للرأي العام الداخلي والخارجي، لكن قبل ذلك يلزمني التذكير ببعض الوقائع ذات الصلة بما سأقول، والتي سبقت اندلاع الحرب، فقد استمعتُ بشكل مباشر، لإفادة أكثر من سفير سوداني، رافق مسؤولاً أممياً أو مبعوثاً أوروبياً للقاء “نائب رئيس مجلس السيادة” محمد حمدان دقلو، إبان اشتداد الأزمة الداخلية بسبب “الإتفاق الإطاري”، وقد نقل هؤلاء السفراء أن قائد الدعم السريع أبلغ ضيوفه الأجانب أن الإتفاق الإطاري سينفذ، وأن “البرهان” إن عارض ذلك، فسيكون مصيره الاعتقال والمحاكمة أو القتل !!

علاقة هذا الذي أقول، بالسردية الأولى، التي كانت معدة سلفاً، هي أن “الضربة الخاطفة” التي كانت تهدف لاستلام السلطة في غضون ثلاث ساعات، صبيحة السبت، هدفها “استعادة الحكم المدني” بعد أن “انقلب عليه الجيش والدعم السريع” في أكتوبر 2021 ، ومعروف أن قائد الدعم السريع كان قد أعلن توبته وندمه مما اقترف، وعزمه على “تصحيح الخطأ” الذي شارك فيه، وذلك عقب عودته من مدينة الجنينة التي زعم مقربون منه أنه ذهب إليها مغاضباً وبقي فيها نحو ثلاثة أشهر، و لحقه هناك فولكر بيريتس، رئيس بعثة الأمم المتحدة لإسناد الفترة الانتقالية “يونيتامس”، وقضى في ضيافته عدة أيام يجتمعان منفردين، دون أي حضور لممثل من الوزارات والجهات المعنية بعمل البعثة الدولية، وعلى رأسها وزارة الخارجية؛ وعقب عودته من الجنينة سافرنائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي إلى دولة الإمارات العربية حيث بقي هناك أحد عشر يوماً قبل أن يعود !!

إنقضت الساعات الثلاث، والأيام الثلاثة، ولم ينجح الإنقلاب التصحيحي الخاطف، وبدا أن الحرب ستطول، فتـمّ تفعيل السيناريوهات البديلة والسرديات البديلة، إذ أن التفسير الذي يمكن أن يكون مقبولاً لدى الخارج الذي كان بعضه على علم مسبق بأن “شيئاً ما سيحدث” وكان يتحفز لتأييد التغيير، واستعادة الحكم المدني، هو أن الجيش واقع تحت تأثير الإسلاميين وأن عناصر النظام السابق يقاتلون مع الجيش وهـم مَـن أفشل المحاولة التصحيحية، فكانت سرية الدور الخفي لـ”الإسلاميين”، وقد شاهد الناس كيف أنه تم اختطاف الدكتور محمد علي الجزولي واللواء (م) أنس عمر، وإجبارهما – تحت التهديد بالتصفية الجسدية – على الادلاء باعتراف مزيف أن المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية خططوا لإشعال الحرب وإفشال الإطاري، وهكذا تمّ إلحاق سردية “الإسلاميين” بسردية “إستعادة الحكم المدني” !!

بنهاية الأسبوع الأول للحرب، تأكد مخططو الحرب أن مشروع “الضربة الخاطفة” فشل، وأن الحرب قد تطول فاتصل وزير الخارجية الأمريكي وقتها، أنتوني بلينكن، الذي كانت بلاده على علم مسبق بأن تغييراً ما سيحدث في السودان، وأن بعض حلفائها الإقليميين يقفون وراء ذلك، إتصل بكل من رئيس مجلس السيادة وقائد الدعم السريع ليطلب منهما السماح بإجلاء أعضاء البعثات الدبلوماسية من الخرطوم، ومن ثـَمَّ خرج للإعلام ليقول إن هذه الحرب صراع على السلطة بين “جنرالين”، فأضيفت هذه إلى السرديتين السابقتين، ثم بعث بلينكن مساعدته للشؤون الأفريقية، مولي في، إلى السعودية لتقوم الدولتان بوساطة بين الجيش والدعم السريع، وألحقها بمبعوثه إلى السودان، توم بيريلو.. والذي لا يعرفه كثير من الناس عن مفاوضات منبر جدة هو أن توم بيريلو كان “ينصح” رئيس وفد القوات المسلحة بأن “من الأفضل لكم أن توقفوا الحرب لتحافظوا على ما تبقى من جيشكم”، وكان الرد يأتيه : “أنت لا تعرف الجيش السوداني”.

تم تخصيص منبر جدة لخدمة قضيتين كانتا أكثر إلحاحاً في ذلك الوقت، هما الوقف المؤقت لإطلاق النار أو ما يعرف بـ”الهدنة الإنسانية” والسماح بتدفق العون الإنساني للمدنيين، ولأن العون الإنساني لم يكن ليصل إلى مناطق سيطرة المتمردين وقتها، إلا عبر الموانئ والمعابر التي تسيطر عليها الدولة، كانت الولايات المتحدة تصر أن يكون مرور هذا العون “ترانزيت”، أي لا تكون للسلطات المعنية في وزارة الخارجية ومفوضية العون الإنساني ولا سلطات الجمارك معرفة بما يحتويه ولا بكيفية توزيعه .. وحينما تم رفض ذلك، خرجت علينا الولايات المتحدة والمنظمات الدولية بالسردية الرابعة .. “عرقلة وصول المساعدات الإنسانية” كتهمة جرى تعليقها في عنق القوات المسلحة، لتسليط مزيد من الضغوط على قيادتها. وفي نفس الوقت كان يجري الترتيب لنوع آخر من “العون” يتدفق عبر الجارة الغربية للسودان !!

مع وهناك في “أم جرس” التشادية، قرب الحدود السودان جرت تهيئة مطار المدينة على عجل وهبطت طائرات الهلال الأحمر الإماراتي تحمل الخيام، وتحمل مستشفى ميدانياً قيل أنه لعلاج اللاجئين السودانيين، ولم يمض وقت طويل حتى تبين أن المستشفى الميداني كان لعلاج جرحى الدعم السريع، وأن المطار الذي يبعد مئات الكيلومترات من المناطق التي وصلها الفارون من جحيم الدعم السريع، لم يكن سوى قاعدة نقل لوجستية تصل عبرها كل أنواع الأسلحة والعتاد والمؤن.

على مدى سنوات الحرب الثلاث، جرت إضافة سرديات أخرى، بينما تراجع زخم بعض السرديات القائمة .. فسردية مثل إستعادة الحكم المدني والتحول الديمقراطي، أصبحت تستخدم عند اللزوم، بينما جرى التوسع في استخدام سردية الإسلاميين، فهم تارة يُعبئون الناس للقتال مع الجيش وتارة يسيطرون على قراره وثالثة يشكلون جماعات إرهابية تقاتل ضمن صفوفه، وذلك في سياق الخطاب الموجه للخارج، وقد أضيف لهذه سردية استخدام الأسلحة المحرمة وسردية استهداف المدنيين، وكان الهدف من كل هذا أن يوضع الجيش والدعم السريع في كفتين متوازنتين، حتى إذا ما طالب أحد بوقف الحرب أو تسوية الأزمة قيل له أمامك “الطرفين” فاذهب لهما. أما لأغراض الداخل وتعبئة المقاتلين، فقد جرى التوسع في سردية خطاب المظلومية والتهميش والقضاء على دولة 56 والفلول والكيزان، لجلب المزيد من المقاتلين المحليين!!

ما يُستفاد من هذا ليس مجرد التوقف عند محطات رئيسية في تجربة ثلاث سنوات من الحرب، فمع أهمية ذلك أود التشديد – وبلادنا تدخل عام الحرب الرابع – على أن الذين أشعلوا هذه الحرب وأداروها على مدى سنواتها الثلاث، كانوا يديرون حرب السرديات بذات الهمة التي يديرون بها الحرب في الميدان، ففي الوقت الذي تتدفق فيه الأسلحة بكل أنواعها على الميدان، ويتدفق المقاتلون من الداخل والمرتزقة الأجانب، تجري “حرب السرديات” على ساحة الإعلام الدولي ويتم من خلالها تعزيز التحرك الدبلوماسي الذي يقدم المليشيا وأنصارها نداً للدولة ومؤسساتها.

وبمثل ما في ميدان المعارك من هجوم ودفاع، حدث ذلك على جبهة الإعلام، فبالرغم مما وثـَّقه معمل الأبحاث الجنائية في جامعة ييل، وما نشرته نيويورك تايمز و واشنطن بوست و وكالة الصحافة الفرنسية ومجموعة فرانس 24 وقناة سكاي نيوز البريطانية وغيرها من كبريات مؤسسات الإعلام الدولي، من جرائم وانتهاكات، وبالرغم من إقرار دول مثل بلغاريا والصين وكندا وبريطانيا، أنها لم ترسل أسلحة أو ذخائر إلى السودان، وأن الطائرات المسيرة أو المركبات المدرعة أو ذخائر المدافع التي تم العثور عليها في السودان إنما بيعت في الأصل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة أو تم منحها رخصة إعادة تصنيعها، إلاّ أن الإمارات تصر على إنكار ذلك، وتزعم في بياناتها الرسمية وأحاديث مسؤوليها أن هذه مجرد مزاعم !!

وأختم بالقول أنه في مقابل كون أداء العدو كان متسقاً ومتكاملاً على جبهات القتال والإعلام والتحرك الخارجي، فإن أداءنا – للأسف – كان على جبهتي الإعلام والتحرك الخارجي متواضعاً، لا لجهة مقارنته بالأداء العسكري فحسب وإنما أيضا لجهة قياسه بحجم الفرص التي أتيحت لنا ولم نغتنمها، حيث كان ينبغي أن يعرف كل قاصٍ ودانٍ حجم الجرائم التي وقعت على شعبنا والضرر الذي وقع على دولتنا، وأن نوثق للأجيال القادمة تاريخ ماحدث برواية شهود عيان، وقد ظللت أكرر – في أكثر من محفل – أنه إذا كان العالم ، وعلى رأسه الولايات المتحدة والأمم المتحدة، يتحدث عن أن ضحايا حرب السودان قد بلغوا 150 ألف، وأن عدد النازحين واللاجئين قد بلغ 14 مليوناً، فإن هذا يعني أن أمامنا 14 مليون قصة تستحق أن تـُحكي و 150 ألف قصة يمكن أن تـُوثق، فضلاً عن قصص المؤسسات العامة والخاصة والمنازل التي تم نهبها أو تدميرها، فما الذي فعلناه من ذلك، وما الذي يمكن أن نفعله الآن؟ وها هي الحرب تتجه نحو نهايتها بإذن الله

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.