صدى الحقيقة

التغييرات في الجيش.. هل هي بداية الإصلاح؟

يوسف عبدالمنان
يوسف عبدالمنان
✍️ حديث السبت
18 Apr 2026 👁 6
شارك الخبر:

​1️⃣

● التغييرات التي أعلنها الرئيس البرهان هذا الشهر وصفها كثير من الكتاب والمنشغلين بقضايا السلطة والسياسة بأنها قرارات (إصلاحية) تبدأ بالمؤسسة العسكرية ولا تنتهي عند مجلس الوزراء، بل تمضي لتشمل الهيئات الحكومية والنائب العام وديوان المراجعة القومي. ولكن بدا أن قطار الإصلاح "الشكلي" لا يعبر بالسودان من واقعه الحالي في ظل غياب المؤسسات الكبيرة عن أداء دورها، وممارسة سلطاتها؛ مثل مجلس السيادة الذي فوض صلاحياته لرئيس المجلس وذهب في إجازة طويلة، رغم أن مجلس السيادة -باعتباره السلطة العليا في البلاد- يُفترض أن تكون اجتماعاته معلنة للرأي العام.

​● وكان حرياً بالمجلس السيادي انتداب أحد الأعضاء للتحدث باسمه، أو تعيين من يعبر عن المجلس ليصبح متحدثاً رسمياً. ولكن السؤال: متى انعقد آخر اجتماع لمجلس السيادة؟ وهل تفويض المجلس لرئيسه ليقود البلاد كان تفويضاً بأجل أم تفويضاً مفتوحاً؟ وإذا كانت ظروف الحرب في السنة الأولى والثانية قد جعلت عقد اجتماعات راتبة أمراً متعثراً، فإن الأوضاع الآن مختلفة جداً؛ وعودة الحكومة للخرطوم تقتضي عودة كل أعضاء مجلس السيادة لأم درمان وبحري، ليضرب قادة البلاد المثل والقدوة في البقاء قريبين من الشعب.

​ولكن أغلب أعضاء مجلس السيادة آثروا الصمت المريب والسكون، باستثناء الفريق مالك عقار، أكثر رجال الدولة حيوية ونشاطاً داخلياً وخارجياً. ولكن هل لأعضاء مجلس السيادة أصلاً مهام واختصاصات بعيداً عن سلطتهم السيادية ككيان لا كأفراد؟ إن عملية الإصلاح لا تبدأ من أسفل إلى أعلى، ولا يظنن أحدٌ أن إصلاح الدولة يكمن في إصلاح المحليات الإدارية أو الولايات أو حتى مجلس الوزراء، إذا لم يبدأ الإصلاح من مجلس السيادة بانتظام جلساته، والفصل ما بين ما هو سيادي وما هو تنفيذي، وعقد اجتماعات دورية لمجلس الأمن والدفاع الذي يتعاظم دوره في أوان الحرب لا السلم. والبلاد الآن يقع نصفها تحت وطأة الحرب والمسيرات، وربما يقول البعض إن الدعوة للإصلاح ليس هذا أوانها، ويعيدون رفع شعار عبد الناصر القديم: (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة)، وتحت هذا الشعار انتُهكت حرمات وانتُقصت حقوق وأُهدرت قيم. والحرب التي تحدث عنها عبد الناصر هي حرب أكتوبر التي استمرت 19 يوماً فقط، بينما حرب السودان دخلت الآن عامها الثالث، وأصبح المواطنون لا يبالون أُسقطت مدينة أم استُردت أخرى، وتلك حالة مميتة جداً لا صحوة منها.

​● إن الإصلاح الذي قال عنه الدكتور محمد المجذوب في أطروحته (معالم المشروع الإصلاحي): "لا تبدو قضية إصلاح مناحي الحياة السودانية من شاكلة القضايا الفرعية أو المرجأة أو الطارئة، لكونها قضية تأخذ بسنام الحياة السودانية وشعابها المختلفة، بدءاً من تحديد المجال الفكري، مروراً بعناصر الظاهرة محل النظر ورؤيتها وأدواتها ومداخلها ومناهج قواعد تحليلها وتفسيرها". الراهن الذي نعيشه تخلّق من إرث ثوري يفتقر للنضج السياسي، عَمَدَ على تخريب الحياة العامة بدعوى الانتقام من خصومه السياسيين، ووجدت القوات المسلحة نفسها أمام طريقين كلاهما يقود إلى الحائط المسدود: إما رهن القرار لمجموعة دولية تضع السكين على عنق القوات المسلحة لجذّه، وإما الانقلاب على ذلك والدخول في مغامرات جديدة. ذلك ما حدث الآن، حيث تسعى النخبة الحاكمة للعودة إلى حليفها المدني القديم، ظناً منها أن ذلك الحليف قادر على إيقاف الحرب وإصلاح ما أفسدته سنوات ما بعد رحيل البشير عن السلطة لا الدنيا.

​2️⃣

إن إصلاح مؤسسة السيادة التي فقدت اثنين من أعضائها؛ الأولى العضو سلمى عبد الجبار التي تقدمت باستقالتها، وفقدت العضو ياسر العطا الذي أُسندت إليه مهام رئيس الأركان خلفاً للفريق المتقاعد محمد عثمان الحسين. وبقدر التفاؤل الذي ساد الشارع بتولي العطا قيادة الجيش الفعلية وإشرافه على العمليات، فإن مجلس السيادة قد خسر عضواً له مواقف معلنة مشرفة؛ إذ يستحيل أن يجمع ياسر العطا بين "الأختين": قيادة هيئة الأركان وعضوية مجلس السيادة، لأن ذلك يشكل "تسييساً" لمؤسسة قومية ظلت بمنأى عن السياسة لحقب طويلة.

​وتجربة البرهان التي تدخل عامها السابع الآن حاكماً للسودان، تعصمه من الانزلاق إلى تسييس قيادة الأركان. وحتى في حقبة "الإنقاذ" حافظت رئاسة الأركان على وضعها فوق الصراعات السياسية؛ فقد كان الرئيس السابق عمر البشير يأتي برئيس الأركان وفق معايير مهنية غالباً، فجاء بالفريق إسحق إبراهيم عمر وهو ضابط مهني بلا لون سياسي، وأعقبه الفريق حسان عبد الرحمن وهو أقرب للصوفية، وعين الفريق عماد عدوي الذي خرج بسبب رفضه قانون قوات الدعم السريع، وكل هؤلاء لا صلة لهم بالسياسة. ولكن الآن تبدو التغييرات التي أُعلنت قد فرضها الواقع في الميدان، في انتظار تغييرات مجلس الوزراء الذي غابت عنه الوزيرة الأكثر حضوراً لمياء عبد الغفار، وفقدت منصبها على خلفية الصراع بين الفريق إبراهيم جابر والدكتور كامل إدريس، الذي أعفى الوزيرة وترك المقعد شاغراً حتى اليوم، وهو موقع يمثل قلب الحكومة النابض.

​● ولكن الدكتور كامل إدريس، مهما نعته البعض بالضعف، فإنه يمثل التغيير نحو الحكم المدني، والرجل يخوض في "وحل شديد اللزوجة"؛ فالعسكريون يسعون للحفاظ على وجودهم، وكامل إدريس بطبيعته رجل مدني يميل للتوافق، وهو لا يملك القدرة على الصراع كونه معيناً من قبل مجلس السيادة، ولم يأتِ بموقعه عبر الانتخابات أو الإجماع الثوري كعبد الله حمدوك. وكامل إدريس يستطيع تعديل نصف أعضاء مجلس الوزراء باستثناء وزراء السيادة والحركات المسلحة، وبالتالي فإن أي قارئ منصف يبرئ ساحته من ضعف مجلس الوزراء، لكنه مسؤول بالطبع عن غياب اجتماعات المجلس، ولن يتحقق الإصلاح المنشود إلا بانتظام الجلسات وإنهاء حالة الترحال بين الخرطوم وبورتسودان.

​3️⃣

● ذلك حال الحكومة الاتحادية، ولكن الأوضاع في الولايات أكثر سوءاً ويصعب إصلاحها في غياب القوانين التي تحكمها. فقد جُهزت وزيرة في عهد حمدوك لا تفقه في الحكم الاتحادي إلا "ما يفقه الرجل في خِضاب المرأة"، وتم إلغاء قانون الحكم الاتحادي بسوء تقدير سياسي. واتجهت الحكومة بعد الحرب لتعيين ضباط إداريين ومعاشيين من القوات المسلحة، وأبعدت الكفاءات إما بسبب شكوك حول انتمائها السياسي أو الموالاة للمليشيا. وفشل هؤلاء باستثناء تجربتي أحمد عثمان حمزة في الخرطوم والطاهر في الجزيرة، بينما تبدّى الفشل في النيل الأبيض والشمالية ونهر النيل.

​● ومن أسوأ تجارب الحكم الولائي تعيين ولاة ووزراء لولايات هي في قبضة التمرد (مثل ولايات دارفور)؛ ودون حياء يطل هؤلاء في الإعلام يتحدثون، بينما هم عاجزون عن حشد إرادة مواطنيهم للقتال وتحرير أرضهم، وتنفق عليهم الحكومة مليارات الجنيهات إيجاراً للفنادق والشقق وهم "عطالة" بلا مهام. فكيف للدولة أن تنهض؟ وهل التنقلات والتعيينات التي تصدر من وقت لآخر يمكن إطلاق صفة "الإصلاح" عليها، أم أن الإصلاح شيء آخر كما فصلنا في صدر المقال؟

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.