صدى الحقيقة

مستشفى المك نمر الجامعي بشندي.. من صرحٍ طبي رائد إلى أسئلةٍ مُلِحّة حول التراجع والإهمال

مستشفى المك نمر الجامعي بشندي.. من صرحٍ طبي رائد إلى أسئلةٍ مُلِحّة حول التراجع والإهمال
تقارير
03 Jun 2026 👁 53
بهاء الدين أحمد السيد
شارك الخبر:

ظلّ مستشفى المك نمر الجامعي بمدينة شندي لسنوات طويلة أحد أبرز المعالم الصحية في ولاية نهر النيل، ومقصداً للمرضى من مختلف المناطق المجاورة، بعدما نجح منذ افتتاحه مطلع عام 2002 في تقديم خدمات علاجية متقدمة أسهمت في توطين العلاج وتقليل الحاجة إلى السفر نحو العاصمة الخرطوم، خصوصاً في مجالات أمراض الكلى والتخصصات الباطنية والجراحية المختلفة.

ولم يكن المستشفى مجرد مبنى طبي، بل مثل تجربة رائدة في الإدارة والخدمات الصحية، حيث ارتبط اسمه خلال سنواته الأولى بمستويات عالية من النظافة والتنظيم والبيئة العلاجية المتكاملة، الأمر الذي جعل كثيراً من زواره يشبهونه بالمراكز الطبية المتقدمة في المنطقة.

غير أن الصورة التي ارتبطت بهذا الصرح الطبي بدأت، وفقاً لشهادات عدد من المواطنين والمرضى، في التراجع بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة، لتبرز تساؤلات متزايدة حول واقع المستشفى الحالي ومستقبل دوره في تقديم الخدمات الصحية بالولاية.

معاناة داخل العنابر

خلال زيارة ميدانية لأحد المرضى بقسم الباطنية، بدت آثار الأزمة واضحة للعيان. فقد عانى المرضى لساعات طويلة من انقطاع التيار الكهربائي وسط درجات حرارة مرتفعة، في وقت اقتصرت فيه الاستفادة من المولد الاحتياطي على أقسام محددة مثل غرفة العمليات والصيدلية.

ويقول مرافقون لمرضى إن الظروف الحالية تجعل الإقامة داخل بعض العنابر العامة أمراً بالغ الصعوبة، خاصة لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة الذين تتطلب أوضاعهم الصحية بيئة مستقرة ومهيأة للعلاج.

وتكتسب هذه الملاحظات أهمية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن المستشفيات لا تؤدي وظيفة علاجية فحسب، بل تشكل البيئة المحيطة فيها جزءاً أساسياً من رحلة التعافي الجسدي والنفسي للمريض.

الجناح الخاص.. واقع يثير الدهشة

ومع انتقال بعض الأسر إلى خيار الغرف الخاصة هرباً من أوضاع العنابر العامة، تظهر تحديات أخرى لا تقل خطورة.

فبحسب إفادات متطابقة، فإن بعض الغرف الخاصة تعاني من مشكلات في الأثاث والتجهيزات الأساسية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول أعمال الصيانة الدورية ومدى مطابقة البيئة الداخلية للمعايير المطلوبة في المرافق العلاجية.

ويرى مختصون أن أي قصور في البنية التحتية داخل المستشفيات لا يؤثر فقط على راحة المرضى، بل ينعكس كذلك على جودة الخدمة المقدمة ومستوى الثقة في المؤسسة الصحية نفسها.

النظافة.. خط الدفاع الأول

تجمع الأدبيات الطبية العالمية على أن النظافة ومكافحة العدوى تمثلان الركيزة الأساسية لسلامة المرضى والعاملين بالمؤسسات الصحية.

وفي هذا السياق، يشكو عدد من المترددين على المستشفى من تراجع مستوى النظافة في بعض المرافق الخدمية، بما في ذلك دورات المياه والأماكن المشتركة، وهي شكاوى تستوجب الوقوف عندها والتحقق منها بصورة مهنية ومسؤولة.

فالمستشفيات ليست مجرد أماكن لتلقي العلاج، وإنما بيئات يفترض أن توفر أعلى درجات السلامة الصحية، خاصة للمرضى الذين تكون مناعتهم أضعف وأكثر عرضة للإصابة بالعدوى.

أين تذهب الموارد؟

ومن بين أكثر الأسئلة تداولاً وسط المواطنين والمتابعين للشأن الصحي في شندي، تلك المتعلقة بموارد المستشفى ومصادر دخله المختلفة.

فالمستشفى يضم جناحاً خاصاً وتُجرى فيه عمليات جراحية وخدمات طبية مدفوعة الرسوم، إلى جانب أنشطة وخدمات استثمارية أخرى، وهو ما يدفع كثيرين للتساؤل حول حجم الإيرادات المتحصلة، وكيفية توظيفها في أعمال الصيانة والتأهيل والتطوير المستمر.

وتبرز هنا الحاجة إلى قدر أكبر من الشفافية والإفصاح المالي والإداري، بما يطمئن المجتمع المحلي ويعزز الثقة في إدارة المؤسسة.

مسؤولية مشتركة

ولا تقع مسؤولية الحفاظ على مستشفى المك نمر الجامعي على إدارة المستشفى وحدها، بل تمتد لتشمل جامعة شندي باعتبارها الجهة الأكاديمية المرتبط بها المستشفى، إلى جانب الجهات الصحية المختصة على المستوى الولائي والاتحادي.

فهذا المرفق يمثل مركزاً تدريبياً لأجيال من الأطباء والكوادر الصحية، كما يشكل واجهة مهمة للخدمات العلاجية والتعليم الطبي في المنطقة، الأمر الذي يجعل المحافظة عليه مسؤولية جماعية لا تحتمل التأجيل.

دعوات للتدخل والإصلاح

ومع تصاعد شكاوى المواطنين والمرضى، تتزايد الدعوات لإجراء تقييم شامل ومستقل لأوضاع المستشفى، يشمل البنية التحتية والخدمات الطبية والإدارية والمالية، وصولاً إلى وضع خطة عاجلة لإعادة التأهيل واستعادة المكانة التي عرف بها هذا الصرح الطبي لعقود.

ويرى مراقبون أن إنقاذ مستشفى المك نمر لا يتعلق فقط بالحفاظ على مبنى أو مؤسسة صحية، وإنما بحماية إرث طبي وتعليمي ارتبط بتاريخ مدينة شندي وأهلها الذين ساهموا في دعمه وتطويره عبر السنوات.

ويبقى السؤال مطروحاً: هل تستطيع الجهات المعنية استعادة بريق المستشفى الذي كان يوماً نموذجاً للخدمة الصحية خارج العاصمة، أم أن مسلسل التراجع سيستمر ليطوي صفحة واحدة من أهم التجارب الطبية في ولاية نهر النيل؟

ذلك سؤال تنتظر الإجابة عنه آلاف الأسر التي ما تزال ترى في مستشفى المك نمر الجامعي أملاً للعلاج، لا مجرد مبنى يحمل اسماً عريقاً.

المصدر: صدى الحقيقة