صدى الحقيقة

25 مايو 1969.. انقلاب الفجر الذي أعاد رسم المشهد السياسي في السودان

25 مايو 1969.. انقلاب الفجر الذي أعاد رسم المشهد السياسي في السودان
تقارير
25 May 2026 👁 75
متابعات : صدي الحقيقة
شارك الخبر:

في فجر الخامس والعشرين من مايو عام 1969م، استيقظ السودانيون على بيان عسكري بثّ عبر إذاعة أم درمان، أعلن فيه العقيد آنذاك جعفر محمد نميري استيلاء القوات المسلحة على السلطة، وإنهاء النظام البرلماني القائم. ومنذ تلك اللحظة، دخل السودان مرحلة سياسية جديدة عُرفت باسم «ثورة مايو»، وهي واحدة من أكثر المحطات تأثيراً وإثارة للجدل في تاريخ البلاد الحديث.

جاء انقلاب مايو في ظل أجواء سياسية مضطربة أعقبت ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود. فعلى الرغم من عودة الحكم المدني آنذاك، إلا أن الحكومات الحزبية المتعاقبة عانت من الانقسامات الحادة والصراعات البرلمانية المستمرة، الأمر الذي أدى إلى ضعف الاستقرار السياسي وتراجع الثقة الشعبية في الأحزاب التقليدية.

وفي تلك الفترة، تصاعدت الخلافات بين القوى السياسية حول قضايا جوهرية، من بينها شكل الحكم، والعلاقة بين الدين والدولة، إضافة إلى الحرب الأهلية في جنوب السودان. كما شهدت البلاد أزمات اقتصادية متزايدة، انعكست في ارتفاع معدلات التضخم وضعف الخدمات العامة، ما خلق حالة من الإحباط داخل قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة في المؤسسة العسكرية.

وسط هذا المناخ، ظهر تنظيم «الضباط الأحرار» داخل الجيش السوداني، متأثراً بالتجارب القومية والعسكرية التي شهدتها المنطقة العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وعلى رأسها تجربة جمال عبد الناصر في مصر. وتمكن الضباط بقيادة نميري من تنفيذ انقلاب سريع سيطر على الإذاعة والقيادة العامة ومؤسسات الدولة دون مقاومة كبيرة.

مجلس قيادة الثورة

عقب نجاح الانقلاب، تم تشكيل «مجلس قيادة الثورة» الذي ضم عدداً من الضباط، وتولى نميري رئاسته. وأعلن النظام الجديد جملة من الأهداف السياسية والاقتصادية، أبرزها القضاء على الطائفية والفساد، وبناء دولة مركزية قوية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، مع تبني توجهات اشتراكية وقومية عربية.

وفي سنواته الأولى، أقام نظام مايو تحالفًا وثيقًا مع القوى اليسارية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي السوداني، الذي لعب دوراً مؤثراً في مؤسسات الدولة والإعلام والنقابات. كما اتجهت الحكومة إلى تطبيق سياسات اقتصادية اشتراكية شملت التأميم والمصادرة، حيث تم تأميم عدد من الشركات والبنوك الكبرى بهدف توسيع دور الدولة في الاقتصاد.

غير أن هذا التحالف لم يستمر طويلاً، إذ بدأت الخلافات تتصاعد داخل السلطة نفسها، خصوصًا بين نميري والتيار الشيوعي.

انقلاب هاشم العطا.. نقطة التحول الكبرى

في يوليو 1971، شهد السودان محاولة انقلابية قادها الرائد هاشم العطا بدعم من عناصر محسوبة على الحزب الشيوعي. وتمكن الانقلابيون مؤقتًا من السيطرة على السلطة واعتقال نميري، غير أن الانقلاب انهار بعد أيام قليلة إثر تحرك مضاد داخل الجيش بدعم إقليمي.

عاد نميري إلى الحكم، وبدأ بعدها مرحلة جديدة اتسمت بالقطيعة الكاملة مع اليسار. وشهدت تلك الفترة حملات اعتقال وإعدامات واسعة ضد قادة الحزب الشيوعي وضباط الانقلاب، في واحدة من أكثر الفترات توتراً في تاريخ السودان السياسي.

التحولات السياسية والاتجاه نحو الإسلاميين

بعد صدامه مع اليسار، اتجه نميري تدريجيًا نحو المصالحة مع القوى التقليدية. وفي عام 1977 أُعلنت «المصالحة الوطنية» مع عدد من الأحزاب المعارضة، ومن بينها تيارات إسلامية وقومية.

وخلال أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، ازداد نفوذ الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي داخل مؤسسات الدولة، وهو ما انعكس لاحقاً في إعلان «قوانين سبتمبر» عام 1983، التي نصت على تطبيق الشريعة الإسلامية. وقد أثارت تلك القوانين جدلاً واسعاً داخلياً وخارجياً، واعتبرها كثيرون نقطة تحول كبرى في مسار الحكم المايوي.

اتفاقية أديس أبابا وإنهاء الحرب مؤقتاً

ومن أبرز إنجازات عهد مايو توقيع اتفاقية أديس أبابا 1972 مع حركة التمرد في جنوب السودان بقيادة جوزيف لاقو. وقد أنهت الاتفاقية الحرب الأهلية الأولى ومنحت الجنوب حكماً ذاتياً، ما أدى إلى فترة من الاستقرار استمرت قرابة عقد من الزمان.

كما شهدت البلاد خلال سنوات مايو توسعًا نسبيًا في مشروعات البنية التحتية والخدمات العامة، إلى جانب إنشاء مؤسسات اقتصادية وتنموية جديدة، وإن تفاوتت نتائجها وتأثيراتها على المدى الطويل.

تدهور اقتصادي وتصاعد الاحتجاجات

رغم بعض النجاحات، واجه نظام مايو أزمات اقتصادية متفاقمة خلال سنواته الأخيرة، شملت تدهور قيمة العملة الوطنية وارتفاع الأسعار وزيادة الديون الخارجية. كما تصاعدت الانتقادات بسبب تراجع الحريات السياسية واحتكار السلطة.

وفي مارس وأبريل 1985، اندلعت احتجاجات شعبية واسعة قادتها النقابات والطلاب والقوى السياسية، احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. ومع اتساع نطاق المظاهرات، أعلنت القوات المسلحة انحيازها للشعب بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، لتنتهي بذلك حقبة مايو بعد نحو 16 عامًا من الحكم.

إرث سياسي ما زال حاضراً

تمثل ثورة مايو 1969 محطة مفصلية في تاريخ السودان الحديث، إذ أعادت تشكيل العلاقة بين الجيش والسياسة ورسخت نموذج الحكم العسكري الذي تكرر لاحقًا في تجارب متعددة.

ولا تزال تجربة مايو حتى اليوم محل انقسام في الذاكرة السياسية السودانية؛ فبينما يرى مؤيدوها أنها سعت لبناء دولة قوية وتحقيق الاستقرار في مرحلة مضطربة، يعتبرها منتقدوها بداية لمسار طويل من الأزمات السياسية والاقتصادية وتقييد الحياة الديمقراطية.

وبين هذا وذاك، تبقى «مايو» واحدة من أكثر التجارب تأثيراً في تاريخ السودان، لما تركته من تحولات عميقة امتد أثرها إلى الحياة السياسية والاجتماعية لعقود لاحقة.