لست وحدك في الكون.. رسالة العرض العسكري الصيني لترامب
الأخبار
26 Jan 2026
👁 94
في صباح الثالث من سبتمبر/أيلول 2025؛ وفي ساحة تيانانمن، قلب الصين الرمزي، اصطف عشرات الآلاف من الجنود الصينيين في عرض عسكري وُصف بأنه الأكبر في تاريخ البلاد الحديث، أظهرت فيه بكين كل منظوماتها العسكرية القتالية الحديثة موجهة رسالة استثنائية إلى العالم بمناسبة الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية وانتصارها على اليابان.
غير أن الاستعراض لم يكن عسكريًّا فقط، بل حمل طابعًا مسرحيًّا دبلوماسيًّا. فقد حرصت القيادة الصينية على استقطاب حضور أجنبي واسع، أرادت من خلاله تأكيد مكانتها في قيادة الجنوب العالمي، وأنها لم تعد مجرد خصم معزول للغرب. كان الحضور بمثابة تصويت بالثقة في الدور الصيني، أما الغياب فحمل دلالات لا تقل أهمية.
الفلبين، ورغم أهميتها للصين فقد تغيبت، ربما بسبب ارتباطها الإستراتيجي بواشنطن والذي ينبع من اعتبارها رأس حربة الحلفاء الأميركيين وأقربهم للصين. أما سنغافورة فاكتفت بإرسال نائب رئيس الوزراء، في إشارة إلى حياد محسوب أو ميل أوضح نحو الولايات المتحدة. في المقابل، وفّرت مشاركة فيتنام وماليزيا وإندونيسيا وكمبوديا وميانمار غطاءً دبلوماسيًّا لبكين، إذ بدا أن غالبية دول جنوب شرق آسيا تفضل التعاون مع الصين على المواجهة، رغم استمرار النزاعات في بحر جنوب الصين.
المشهد الأكثر رمزية كان جلوس الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى جانب الرئيس الصيني شي جين بينغ. بالنسبة لموسكو، الغارقة في عزلة الحرب الأوكرانية، شكّل الحضور في بكين نافذة شرعية ورسالة بأن روسيا ليست وحدها. أما بالنسبة للصين، فقد كان ذلك تجسيدًا حيًّا للثقة الإستراتيجية بين البلدين، وبيانًا سياسيًّا بأن بكين وموسكو تتجاوزان حدود اللحظة الراهنة نحو تنسيق أوسع. التوقيت أيضًا لم يكن عرضيًّا؛ ففي الوقت الذي ترعى فيه واشنطن حوارًا ثلاثيًّا مع موسكو وكييف، اغتنم شي وبوتين المناسبة لمناقشة ما بعد الحرب، بما في ذلك احتمالات السلام ورسم ملامح نظام عالمي جديد، حتى لو لم يُكشف رسميًّا عن تفاصيل هذه النقاشات.
جانب آخر لا يقل أهمية تمثل في خطاب شي جين بينغ أمام أكثر من 50 ألف متفرج. فقد أراد شي أن يُعدّل سردية تاريخية ظلّت لعقود تحت هيمنة الرواية الغربية التي منحت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي الحصة الكبرى من الفضل في هزيمة النازية واليابان، وهمّشت دور الصين. ومن خلال كلمته، أكد أن الصين كانت لاعبًا محوريًّا في هزيمة اليابان وشريكًا مؤسسًا للنظام الدولي. اتسم خطابه اتجاه طوكيو بالحذر، محمّلًا اليابان مسؤوليتها التاريخية دون الانزلاق إلى خطاب تصعيدي، داعيًا بدل ذلك إلى بناء "مجتمع آسيا المحيط الهادي بمصير مشترك". والأهم أنه ربط بين ماضي الصين بوصفها أمة ضحية، وحاضرها بوصفها قوة صاعدة، ومستقبلها بوصفها مهندسا طامحا لإعادة تشكيل النظام الدولي.
انطلاقًا من هذه الإشارات التي حملها العرض العسكري؛ يرى مراقبون أن ما جرى لم يكن مجرد مناسبة بروتوكولية، بل كان فعلًا استراتيجيًا بامتياز له دلالات مهمة. فقد حمل رسالة مركبة تمزج بين القوة العسكرية والتموضع الدبلوماسي وإعادة كتابة السرد التاريخي، بحيث تُوجَّه إشاراته، إلى الداخل الذي يبحث عن الثقة والفخر، وإلى الخارج الذي يتابع باهتمام رسائل الردع القادمة من بكين.
أما الإعلان الأوضح فكان موجهًا إلى واشنطن: لست وحدك في الكون. فالصين أصبحت تعرض نفسها باعتبارها قوة مسؤولة دوليا، محاطة بدائرة متنامية من الأصدقاء والشركاء، وجيش مستعد للقتال متى استدعت الضرورة، وقيادة عازمة على حماية مكانتها وصياغة ملامح النظام العالمي المقبل.
الثالوث النووي الصيني
أول الأدوات التي استخدمتها بكين في صياغة رسائلها الإستراتيجية تمثلت في إبراز ما يُعرف بـ"الثالوث النووي" الصيني، أي القدرة على تنفيذ ضربات نووية من البر والبحر والجو في آن واحد، وهو ما يضعها في مصاف القوى النووية الكبرى.
على صعيد القوة البرية، قدمت بكين الصاروخ الباليستي العابر للقارات "دونغ فنغ-61" (رياح الشرق-61)، وهو سلاح جديد بمدى بعيد وقدرة على حمل رؤوس نووية متعددة. أهم ما يميزه أنه محمول على منصات متحركة، مما يمنحه قدرة عالية على المناورة والإخفاء، ويجعله أبعد عن الاستهداف مقارنة بالصواريخ التقليدية المتمركزة في الصوامع الثابتة. إلى جانب ذلك، عُرضت نسخة مطوّرة من الصاروخ "دونغ فنغ-31" المتوسط إلى البعيد المدى، الذي يُعد أحد أعمدة الردع النووي البري الصيني منذ سنوات.
أما في مجال القوة البحرية، فقد كُشف عن الصاروخ الباليستي "جولانغ-3" (موجة المحيط-3)، المصمم للإطلاق من الغواصات النووية. هذا الصاروخ يمنح الصين القدرة على تنفيذ ضربات خفية من أعماق البحار، بما يضيف عنصر المفاجأة إلى إستراتيجيتها النووية ويعزز مناعة الردع، إذ يضمن للصين قدرة على الرد حتى في حال تعرضت لهجوم مفاجئ.
وفي القوة الجوية، استعرضت بكين الصاروخ البعيد المدى "جينغ لي-1" (الرعد الصاعق-1) المحمول على القاذفات الإستراتيجية. يتميز هذا السلاح بإمكانية إطلاقه من مسافات بعيدة، مما يوفر مرونة كبيرة في استهداف مواقع إستراتيجية للخصوم، ويكمل حلقة القدرة النووية الثلاثية بين البر والبحر والجو.
وبفضل هذا التكامل بين أذرعها النووية الثلاثة، أرادت الصين أن تؤكد أنها لم تعد قوة إقليمية فحسب، بل صارت قوة نووية عظمى مكتملة الأركان، قادرة على توجيه ضربات إستراتيجية متزامنة من كل المسارات، واضعة أي خصم محتمل تحت طائلة الردع المستمر.
ولم يتوقف الاستعراض عند ذلك، بل برز أيضًا الصاروخ الباليستي العابر للقارات "دونغ فنغ-5 سي"، وهو أحدث نسخة من السلسلة التي بدأ تطويرها منذ سبعينيات القرن الماضي. النسخة الجديدة تتميز بمدى يتجاوز 20 ألف كيلومتر، وقدرة على حمل ما يصل إلى 12 رأسًا نوويًّا، مما يجعلها نظريًّا قادرة على تغطية الكرة الأرضية كلها. هذه الصواريخ الإستراتيجية تمثل في نظر بكين الورقة الرابحة لقوة الردع النووي، وأداة لحماية "سيادة الوطن وكرامته" كما تصفها القيادات الصينية.
سهام البحر التي تطارد عمالقة المحيط
إلى جانب هذا البُعد النووي، كشفت الصين عن ترسانة متقدمة من الصواريخ الفرط صوتية المضادة للسفن. فقد ظهر الصاروخ الجديد "ينغ جي-15" (ضربة النسر-15) لأول مرة، إلى جانب عرض فئات "ينغ جي" الأخرى التي سبق اختبارها ضد نماذج لهياكل حاملات طائرات أميركية.
تنتمي هذه السلسلة إلى فئة الصواريخ المجنحة أو الباليستية التكتيكية، وهي صواريخ تُطلق عادة من السفن أو الطائرات، وتتميز بقدرتها على التحليق على ارتفاعات منخفضة واتباع مسارات مبرمجة بدقة لملاحقة الأهداف البحرية الكبيرة. وعلى عكس الصواريخ الباليستية الإستراتيجية التي تُستخدم للردع النووي، فإن صواريخ "ينغ جي" مخصّصة للمعارك المباشرة، إذ صُممت لإصابة أهداف محددة بدقة عالية وإلحاق أضرار جسيمة بالقطع البحرية الضخمة مثل المدمرات وحاملات الطائرات. ويكمن تفوقها النوعي في سرعتها الفرط صوتية التي تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت، وهو ما يجعل اعتراضها مهمة شبه مستحيلة على أنظمة الدفاع الجوي التقليدية.
أما الصاروخ الأبرز في هذه الفئة، فكان "ينغ جي-21" المعروف بلقب "قاتل حاملات الطائرات". وهو صاروخ باليستي مضاد للسفن يُعتقد أن مداه يبلغ نحو 1500 كيلومتر، ويُنظر إليه بوصفه جزءًا من إستراتيجية بكين لتحييد أهم أدوات القوة الأميركية في البحار، أي حاملات الطائرات. يتميّز الصاروخ بسرعته الفائقة، إذ يتجاوز في مرحلة الطيران المتوسط ستة أضعاف سرعة الصوت (ماخ-6)، وقد يصل عند اقترابه من الهدف إلى عشرة أضعاف هذه السرعة، مما يجعل اعتراضه مهمة شبه مستحيلة. كما يتبع مسارًا شبه باليستي يسمح له بالمناورة أثناء الطيران، وهو ما يمنحه دقة عالية في إصابة الأهداف البحرية الكبيرة، حتى لو كانت متحركة.
زُوّد "ينغ جي-21" بأنظمة ملاحة متطورة تجمع بين القصور الذاتي والتوجيه عبر الأقمار الصناعية، بما يضمن إصابة دقيقة. ويمكن تزويده برؤوس حربية متعددة، سواء كانت تقليدية شديدة الانفجار أو ذخائر مخصصة لإلحاق أضرار قصوى بالسفن الضخمة. وقد ظهر الصاروخ لأول مرة على متن المدمرات الصينية الحديثة من طراز رنهاي، ثم جرى تطوير نسخة تُطلق من الجو بواسطة القاذفة الإستراتيجية "شيآن إتش-6″، مما وسّع بشكل كبير من نطاق استخدامه ومرونته.
وبذلك، أصبح "ينغ جي-21" سلاحًا مزدوج المنصات، يمنح الصين قدرة على توجيه ضربات دقيقة وسريعة سواء كانت من البحر أو من الجو، ويُكرّس موقعها بوصفها قوة بحرية قادرة على تحدي التفوق الأميركي في المحيط الهادي.
عاصفة من صواريخ وضوء وتشويش
وعلى صعيد الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، عرضت الصين أنظمة جديدة صُممت للتعامل مع طيف واسع من التهديدات المعاصرة، تبدأ من الأقمار الاصطناعية وتنتهي بالطائرات المسيّرة. أبرز هذه الأنظمة كانت منظومة "الراية الحمراء-29" (HQ-29)، وهي سلاح دفاعي مخصص لاعتراض الصواريخ الباليستية أثناء مرورها في الفضاء خارج الغلاف الجوي، فضلًا عن استهداف الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض. وبهذا، تتيح المنظومة لبكين القدرة على شلّ وسائل المراقبة والتوجيه التي تعتمد عليها جيوش الخصوم، أي ضرب "العيون" التي ترصد وتوجّه من السماء.
كما قدمت بكين أسلحة جديدة تعتمد على الليزر العالي الطاقة، القادر على إطلاق أشعة مركّزة لتدمير الطائرات المسيّرة الصغيرة أو تعطيلها على الفور، بتكلفة أقل بكثير من الصواريخ التقليدية. وإلى جانب ذلك، ظهرت أنظمة حرب إلكترونية تعمل بالموجات الميكروية، وهي موجات كهرومغناطيسية قادرة على تعطيل أنظمة التحكم في أسراب المسيّرات، مما يفقدها الاتصال أو التوازن ويجعلها غير فعّالة.
منظومة الدفاع الصاروخي HQ-22A خلال عرض عسكري لإحياء الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، في بكين، الصين، 3 سبتمبر/أيلول 2025
وقد أطلق الإعلام الصيني على هذه المجموعة اسم "الثالوث الحديدي ضد المسيّرات"، لأنها تجمع بين ثلاثة مستويات من الحماية: الصواريخ التقليدية التي تُسقط الأهداف من مسافات بعيدة، وأشعة الليزر التي تعترضها بسرعة ودقة، إضافة إلى الموجات الميكروية التي تُربكها وتشوش عليها. وبذلك، قدّمت الصين صورة متكاملة عن منظومة دفاعية جديدة قادرة على مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة.
اقرأ أيضاً
محللون يعلّقون على الخلاف بين ترمب وقضاة المحكمة العليا
رويترز: هذه كواليس سيطرة دمشق على مناطق قسد دون اعتراض أميركي
ما أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي؟
من المصانع إلى أسواق.. ماذا يعني التصعيد مع أوروبا للاقتصاد الأميركي؟
هل تستطيع أوروبا معاقبة ترامب تجاريا بشأن غرينلاند؟
