صدى الحقيقة

من “أرض الصومال” إلى شرق ليبيا.. خرائط النفوذ تُرسم من جديد

من “أرض الصومال” إلى شرق ليبيا.. خرائط النفوذ تُرسم من جديد
تقارير
19 Apr 2026 👁 14
صدى الحقيقة - آمنة السيدح
شارك الخبر:

لا تبدو خطوة إسرائيل بتعيين مبعوث دبلوماسي في ما يُعرف بـ“أرض الصومال” مجرد اجتهاد دبلوماسي معزول، بل أقرب إلى حجر أُلقي في مياه راكدة، سرعان ما امتدت دوائره إلى القرن الأفريقي وشماله، وصولاً إلى مناطق النفوذ الرمادية في الإقليم، حيث تتراجع سلطة الدول وتتصاعد حسابات الفاعلين غير التقليديين.

في الظاهر، تبدو القضية صداماً مع سيادة الصومال، لكن في العمق، نحن أمام اختبار لنموذج جديد من الحضور السياسي: التعامل مع “الوقائع على الأرض” بدل الاعترافات الرسمية. هذا النموذج، إن تُرك يتمدد، لن يتوقف عند شواطئ خليج عدن، بل سيجد له موطئ قدم في كل منطقة تعاني هشاشة الدولة.

خذ مثال شرق ليبيا، حيث يفرض خليفة حفتر واقعاً سياسياً وعسكرياً موازياً منذ سنوات. هذا الشرق الليبي، رغم تعقيداته، يظل مفتوحاً على احتمالات إعادة التموضع الدولي، خاصة مع موقعه الاستراتيجي المطل على المتوسط وقربه من خطوط الطاقة والهجرة. والسؤال الذي لم يعد مستبعداً: هل يمكن أن يتحول هذا النموذج إلى ساحة مشابهة، تُختبر فيها أشكال جديدة من العلاقات غير التقليدية؟

الإجابة ليست حتمية، لكنها أيضاً ليست مستبعدة، في ظل عالم بات يتعامل مع موازين القوة أكثر من النصوص القانونية.

الأمر لا يقف عند ليبيا. ففي السودان، حيث أضعفت الحرب مؤسسات الدولة وفتحت المجال لتعدد مراكز النفوذ، تبدو الأرض أكثر هشاشة أمام أي محاولات اختراق سياسي أو أمني.

والسودان، بموقعه الحيوي بين القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وبقربه من مضيق باب المندب، ليس بعيداً عن حسابات القوى التي تبحث عن موطئ قدم في هذه المنطقة الحساسة. هنا، لا يعود الحديث عن “سفارة” أو “مبعوث” مجرد إجراء، بل جزءاً من معركة نفوذ طويلة النفس.

ما يجمع بين هذه الحالات هو تآكل مفهوم السيادة التقليدي. فلم تعد السيطرة تُقاس فقط بحدود معترف بها، بل بقدرة الأطراف على فرض أمر واقع يُجبر الآخرين على التعامل معه. وإسرائيل، في هذا السياق، لا تتحرك في فراغ، بل تقرأ خريطة إقليمية مليئة بالثغرات: دول منهكة، وانقسامات داخلية، وممرات استراتيجية مفتوحة للتنافس.

أما ردود الفعل العربية والأفريقية، وعلى أهميتها، فلا تزال تدور في إطار الإدانة اللفظية. وهنا تكمن المشكلة، لأن معارك النفوذ الحديثة لا تُحسم بالبيانات، بل ببناء حضور مقابل: دعم الدول الهشة، وتعزيز مؤسساتها، والانخراط الفعلي في مناطق الفراغ قبل أن يملأها الآخرون.

في النهاية، ما نشهده ليس مجرد حادثة دبلوماسية، بل إعادة رسم غير معلنة لخرائط النفوذ في الإقليم. من “أرض الصومال” إلى شرق ليبيا، وربما إلى السودان، تتكرر القصة ذاتها: حيث تضعف الدولة، تتقدم الجغرافيا السياسية كبديل. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تستعيد هذه الدول زمام المبادرة، أم تكتفي بمراقبة خرائط تُرسم فوق أراضيها؟