صدى الحقيقة

مع تحديات المناخ.. كيف يستعد السودان لموسم أمطار 2026؟

مع تحديات المناخ.. كيف يستعد السودان لموسم أمطار 2026؟
تقارير
11 Jun 2026 👁 61
صدى الحقيقة: تقرير خاص
شارك الخبر:

لم تعد التوقعات المناخية في عالم اليوم مجرد نشرات يومية تُعنى بمعرفة حالة الطقس، بل أصبحت أداة استراتيجية تُبنى عليها قرارات اقتصادية وأمنية وغذائية تمس حياة ملايين البشر. وفي السودان، حيث ترتبط الزراعة والثروة الحيوانية والموارد المائية ارتباطاً وثيقاً بموسم الأمطار، تكتسب التنبؤات الموسمية أهمية مضاعفة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم.

وفي هذا السياق، كشفت الهيئة العامة للأرصاد الجوية خلال مؤتمرها التنويري الأخير عن ملامح الموسم المناخي للفترة من يونيو إلى سبتمبر 2026، مؤكدة أن توقعاتها تستند إلى أسس علمية ومنهجيات معتمدة دولياً بالتنسيق مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومركز الإيقاد الإقليمي لتطبيقات المناخ.

علم المناخ لا التنبؤ بالغيب

أكدت الهيئة أن التوقعات الموسمية التي تصدرها لا تقوم على تقديرات عشوائية أو اجتهادات فردية، وإنما تعتمد على نماذج مناخية عالمية تستخدمها معظم هيئات الأرصاد في العالم.

ويشير المختصون إلى أن التوقعات الموسمية تختلف عن التنبؤات اليومية، إذ تعتمد على تحليل أنماط المناخ واسعة النطاق ومقارنة الظروف المتوقعة بمتوسطات تمتد لثلاثة عقود كاملة، وهي الفترة المرجعية المعتمدة عالمياً حالياً بين عامي 1991 و2020.

وتصنف هذه التوقعات ضمن ثلاث فئات رئيسية: أمطار أعلى من المعدل، أو في حدود المعدل، أو أقل من المعدل، ما يجعلها مؤشرات احتمالية تساعد متخذي القرار على الاستعداد للمستقبل، دون أن تعني بالضرورة تحديد كميات دقيقة للأمطار أو توقيت هطولها.

المحيطات البعيدة تصنع الطقس السوداني

ورغم المسافات الشاسعة التي تفصل السودان عن المحيطات الكبرى، إلا أن حرارة مياه المحيطين الهادئ والهندي تؤثر بصورة مباشرة على مناخ البلاد.

فبحسب خبراء المناخ، تمثل ظاهرة "النينو" و"النينيا" أحد أهم المحركات المناخية عالمياً، حيث يؤدي ارتفاع حرارة سطح المحيط الهادئ غالباً إلى تقليص معدلات الأمطار في أجزاء واسعة من شرق أفريقيا والسودان، بينما يسهم انخفاضها في تعزيز فرص الأمطار الغزيرة وما يصاحبها أحياناً من سيول وفيضانات.

كما يلعب ما يعرف بظاهرة "ثنائي القطب للمحيط الهندي" دوراً محورياً في تحديد حركة الرطوبة والرياح الموسمية القادمة نحو شرق أفريقيا، إذ يؤدي ارتفاع حرارة غرب المحيط الهندي إلى تعزيز فرص هطول الأمطار، في حين تقود الأنماط المعاكسة إلى مواسم أكثر جفافاً.

ويؤكد علماء المناخ أن فهم هذه المؤثرات أصبح ضرورة ملحة في عصر تتزايد فيه التقلبات الجوية بصورة غير مسبوقة نتيجة الاحتباس الحراري العالمي.

موسم الأمطار.. شريان الاقتصاد السوداني

وتمثل الفترة الممتدة من يونيو إلى سبتمبر العمود الفقري للحياة الاقتصادية في السودان.

فالهيئة العامة للأرصاد الجوية تشير إلى أن هذه الأشهر توفر ما بين 75 و80 % من إجمالي الأمطار السنوية في مناطق واسعة من البلاد، بينما تعتمد أكثر من 80 % من الأراضي الزراعية على الأمطار المباشرة.

وتنعكس وفرة الأمطار أو شحها مباشرة على إنتاج الذرة والدخن والسمسم والفول السوداني وغيرها من المحاصيل الاستراتيجية، فضلاً عن تأثيرها على المراعي الطبيعية التي تشكل أساس قطاع الثروة الحيوانية الذي يعد من أهم مصادر الدخل القومي.

كما ترتبط الموارد المائية والسدود ومحطات التوليد الكهرومائي بصورة وثيقة بكميات الأمطار المتساقطة خلال هذا الموسم، ما يجعل التوقعات المناخية عنصراً حاسماً في التخطيط الاقتصادي وإدارة الموارد.

العالم يواجه مناخاً أكثر سخونة

وفي الوقت الذي تشهد فيه درجات الحرارة ارتفاعاً ملحوظاً في السودان، تؤكد الهيئة أن البلاد ليست استثناءً من ظاهرة عالمية أوسع.

فوفقاً لتقارير دولية حديثة، أصبحت السنوات الأخيرة من بين الأكثر حرارة منذ بدء تسجيل البيانات المناخية، وسط تحذيرات متزايدة من تداعيات انبعاثات الغازات الدفيئة وارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

ويرى خبراء المناخ أن أفريقيا تعد من أكثر القارات هشاشة أمام آثار التغير المناخي رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات العالمية، إذ تواجه القارة مزيجاً معقداً من موجات الحر والجفاف والفيضانات واضطرابات الأمن الغذائي.

وقد حذرت مؤتمرات المناخ العالمية المتعاقبة، بدءاً من اتفاق باريس للمناخ وصولاً إلى مؤتمرات الأطراف الأخيرة، من أن التكيف مع التغيرات المناخية لم يعد خياراً بل ضرورة وجودية للدول النامية.

جفاف إقليمي وتأثيرات متفاوتة

وبالنسبة للموسم الحالي، تتوقع الهيئة العامة للأرصاد الجوية معدلات جفاف أعلى في عدد من دول الإقليم تشمل إثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا، مع تأثير أقل حدة داخل السودان.

كما أشارت إلى احتمالات حدوث شح للأمطار في بعض المناطق السودانية وظهور حالات جفاف متوسطة في مناطق محددة، بالتزامن مع توقعات باستمرار درجات الحرارة فوق معدلاتها الطبيعية في مختلف أنحاء البلاد.

ويرى مختصون أن هذه المؤشرات تتطلب تعزيز خطط إدارة المياه والموارد الزراعية، خاصة في المناطق المعرضة تاريخياً لتذبذب الأمطار، مع الاستفادة من المعلومات المناخية في توجيه السياسات الزراعية والاستثمارية.

منظومة إنذار مبكر في مواجهة المخاطر.

ومن بين الرسائل المهمة التي حملها المؤتمر تأكيد الهيئة امتلاكها نظام رصد جوي وإنذار مبكر متطوراً يعتمد على المعايير الدولية ويُعد من بين الأفضل على مستوى المنطقة.

ويشير خبراء إدارة الكوارث إلى أن أنظمة الإنذار المبكر أصبحت اليوم من أكثر الأدوات فاعلية في الحد من الخسائر البشرية والاقتصادية الناتجة عن الظواهر الجوية المتطرفة، حيث يمكن للتحذيرات المبكرة أن تمنح المجتمعات والحكومات وقتاً ثميناً للاستعداد والاستجابة.

وتنسجم هذه الجهود مع المبادرة العالمية للإنذار المبكر التي أطلقتها الأمم المتحدة، والتي تهدف إلى تمكين جميع سكان العالم من الاستفادة من خدمات الإنذار المبكر بحلول نهاية العقد الحالي.

ملتقى المناخ الثالث.. من التوقع إلى صناعة القرار

وفي خطوة تعكس تنامي الاهتمام الوطني بقضايا المناخ، أعلنت الهيئة عن انعقاد ملتقى المناخ الثالث بالخرطوم خلال الفترة من 15 إلى 16 يونيو الجاري بمشاركة واسعة من المؤسسات الحكومية والقطاعات ذات الصلة.

ويأتي الملتقى في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى ربط المعلومات المناخية بعمليات التخطيط الاقتصادي والزراعي وإدارة الكوارث، خصوصاً مع توقيع الهيئة خمس عشرة مذكرة تفاهم مع مؤسسات مختلفة لتعزيز التعاون في مجالات المناخ والرصد والإنذار المبكر.

كما أعلنت الهيئة استعدادها لتدريب الإعلاميين والصحفيين في مجالات الأرصاد والمناخ، في خطوة يراها الخبراء ضرورية لمواجهة المعلومات غير الدقيقة وتعزيز الثقافة المناخية داخل المجتمع.

ما بعد التوقعات

تكشف المؤشرات المناخية لموسم 2026 أن السودان يقف أمام موسم يحمل فرصاً وتحديات في آن واحد. فبين توقعات بارتفاع درجات الحرارة واحتمالات تفاوت الأمطار بين منطقة وأخرى، تبقى القدرة على استثمار المعلومات المناخية وتحويلها إلى قرارات عملية هي العامل الحاسم في تقليل المخاطر وتعظيم الفوائد.

وفي عالم تتزايد فيه حدة الظواهر المناخية عاماً بعد آخر، لم تعد الأرصاد الجوية مجرد جهة تُخبر الناس بحالة الطقس، بل أصبحت شريكاً أساسياً في حماية الاقتصاد والأمن الغذائي وإدارة الموارد، وهو الدور الذي تسعى الهيئة العامة للأرصاد الجوية إلى تعزيزه في السودان عبر العلم والتخطيط والإنذار المبكر.

المصدر: صدى الحقيقة