صدى الحقيقة

# من انتقادات قطر إلى أزمات أمريكا.. هل كشف مونديال 2026 حدود نفوذ الفيفا؟

# من انتقادات قطر إلى أزمات أمريكا.. هل كشف مونديال 2026 حدود نفوذ الفيفا؟
تقارير
11 Jun 2026 👁 30
صدى الحقيقة: تقرير خاص
شارك الخبر:

عندما استضافت قطر كأس العالم 2022، وجدت نفسها في مواجهة واحدة من أعنف الحملات الإعلامية والسياسية التي سبقت بطولة رياضية كبرى. فقد تصدرت قضايا حقوق الإنسان وأوضاع العمالة الأجنبية والقيود الاجتماعية عناوين الصحف الغربية لأشهر طويلة، فيما شكك كثيرون في قدرة دولة عربية صغيرة على تنظيم الحدث الرياضي الأكبر في العالم.

لكن مع انطلاق المنافسات تبدلت الصورة تدريجياً. فقد أشادت جماهير ومنتخبات وإعلاميون بالبنية التحتية الحديثة وسهولة التنقل بين الملاعب والتنظيم الأمني واللوجستي، بينما نجحت بطاقة "هيا" في تسهيل دخول مئات الآلاف من المشجعين والوفود الرسمية دون تعقيدات كبيرة. ومع انتهاء البطولة، تحولت كثير من النقاشات من التشكيك في قدرة قطر على التنظيم إلى الحديث عن واحدة من أكثر نسخ كأس العالم تنظيماً من الناحية التشغيلية.

بعد أربع سنوات فقط، وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة نوع مختلف من الانتقادات خلال استضافة كأس العالم 2026 بالشراكة مع كندا والمكسيك. فبدلاً من الجدل الحقوقي، برزت أزمات مرتبطة بالتأشيرات وتكاليف السفر وأسعار التذاكر وإجراءات الدخول، وهي ملفات تمس بصورة مباشرة قدرة الجماهير والوفود الرياضية على المشاركة في الحدث.

وأصبحت أزمة التأشيرات عنواناً بارزاً قبل انطلاق البطولة، بعدما تجاوزت تأثيرها المشجعين لتطال بعض اللاعبين والحكام والمدربين وأعضاء الاتحادات الوطنية المشاركة. وأثارت حالات منع أو تأخير دخول شخصيات رياضية معتمدة من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم تساؤلات واسعة حول مدى قدرة الدولة المضيفة على الوفاء بالتزاماتها تجاه جميع المشاركين في البطولة.

وأمام هذه التطورات، برزت انتقادات للفيفا نفسه، الذي بدا عاجزاً عن إيجاد حلول عملية لبعض المشكلات المرتبطة بإجراءات الدخول والتأشيرات. فرغم أن الاتحاد الدولي يملك سلطة تنظيمية واسعة داخل الملاعب وفي الجوانب الفنية للبطولة، إلا أن نفوذه بدا محدوداً أمام القرارات السيادية المتعلقة بالهجرة والدخول إلى الولايات المتحدة. وأظهر الجدل أن قدرة الفيفا على فرض اشتراطاته على الدول المستضيفة ليست مطلقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات أمنية أو سياسية تخضع للقوانين الوطنية.

ويرى مراقبون أن الأزمة كشفت مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي تعرضت فيه قطر لانتقادات حادة قبل مونديال 2022 بسبب مخاوف افتراضية تتعلق بالتنظيم والاستضافة، تواجه الولايات المتحدة خلال مونديال 2026 انتقادات مرتبطة بمشكلات واقعية أثرت بالفعل على بعض المشاركين في البطولة. كما أن الفيفا الذي دافع بقوة عن قطر في مواجهة الانتقادات السابقة، وجد نفسه هذه المرة في موقف أكثر حرجاً، إذ لم يتمكن من معالجة بعض العقبات التي واجهت الحكام والمسؤولين الرياضيين القادمين من دول مختلفة.

كما واجه الاتحاد الدولي انتقادات إضافية بسبب ارتفاع أسعار التذاكر واعتماد أنظمة تسعير اعتبرها كثير من المشجعين مبالغاً فيها، ما أثار مخاوف من تحول كأس العالم إلى حدث أقل قدرة على استيعاب الجماهير ذات الدخل المتوسط، خلافاً للصورة التقليدية للبطولة باعتبارها مهرجاناً عالمياً مفتوحاً لعشاق كرة القدم من مختلف الفئات.

وبينما لا يزال من المبكر إصدار حكم نهائي على نسخة 2026، فإن المقارنة بين البطولتين تكشف أن التحديات التي تواجه كأس العالم لا تقتصر على بناء الملاعب أو توفير البنية التحتية، بل تشمل أيضاً القدرة على ضمان وصول جميع المشاركين إلى البطولة دون عوائق. كما تطرح تساؤلات حول حدود نفوذ الفيفا نفسه، ومدى قدرته على فرض متطلبات الاستضافة على الدول الكبرى عندما تتعارض مع سياساتها الداخلية.

وفي النهاية، يبدو أن مونديال قطر 2022 ومونديال 2026 يقدمان نموذجين مختلفين للجدل المصاحب للبطولات الكبرى؛ الأول واجه انتقادات سياسية وإعلامية واسعة قبل أن يحقق نجاحاً تنظيمياً لافتاً، والثاني يواجه تحديات عملية وإجرائية خلال انعقاده، بينما يقف الفيفا في الحالتين أمام اختبار دائم لقدرته على حماية صورة البطولة وإدارة الأزمات التي تهدد نجاحها.