صدى الحقيقة

تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٤٤)

د. ياسر محجوب الحسين
د. ياسر محجوب الحسين
✍️ كتابات حرة
16 Jun 2026 👁 17
شارك الخبر:

في "أمواج ناعمة"، حيث تهمس الرياح للماء فتولد أنغاما لا تسمع إلا بالقلب، ولا تروى إلا بالكلمة الصادقة، نلتقي اليوم على شاطئ الزمالة الصحفية.

هنا، على هذا الشاطئ الذي لا يعرف الجفاف ولا يمل من المد والجزر، تأتي تلغرافات صحفية تحمل في طياتها أصداء قلمين من طراز فريد، يمثلان وجهين مختلفين للمهنة، لكنهما يلتقيان في حب الوطن وإخلاص الكلمة.

فاليوم وفي الحلقة (٤٤) من "تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية" نستقبل موجتين عاليتين من أمواجنا الناعمة:

حسن عبد الحميد، ذلك القلم الذي يجمع بين حدة التحليل السياسي وعمق الروح الإسلامية. الرجل الذي غاص في معارك الكرامة، ودافع عن تماسك الدولة ببصيرة نافذة، وأشرف على ملحق ديني أسبوعي مع الأستاذ عبد المحمود الكرنكي، فجعل منه نافذة تطل على أرواح الطرق الصوفية، يطوف محرروه في أرجاء السودان ينقلون أنفاس الذكر والسماع. سياسي برلماني سابق، ومحلل يمتلك زوايا رأي في الصحافة العربية، يرى في التاريخ درسا وفي الحاضر مسؤولية.

وبجانبه يأتي الرشيد علي عمر، فارس الصحافة الرياضية اللاذع، صاحب القلم الحاد الذي لا يعرف المهادنة. رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأسياد، الذي بنى إرثا صحفيا حافلا من الماتش إلى الهدف والحياة، وصنع ألقابا وعناوين جريئة لا تنسى. ولم يقتصر على المستطيل الأخضر، بل تجاوزه إلى الشأن العام، خط في مقال مؤثر شهادة صادقة حول جدل العودة إلى الخرطوم، يدحض الشائعات ويبث الأمل في قلوب النازحين.

هذان القلمان، أحدهما يغوص في أعماق الروح والسياسة، والآخر يشتعل في ميادين الرياضة ويمتد إلى هموم الوطن، يلتقيان اليوم في حلقتنا ليرسما لوحة حية من لوحات الزمالة الصحفية.

هيا بنا نستمع.. فالبحر هادئ، والأمواج ناعمة، والتلغرافات آتية تحمل في طياتها صدق الكلمة وعمق التجربة.

حسن عبد الحميد

في أعماق السودان الروحية، حيث تتمايل أشجار الذاكرة على ضفاف النيل، وتسبح أرواح الطرق الصوفية في نسيم الذكر، برز حسن عبد الحميد كقلم يجمع بين حدة السياسة وعمق الروح، بين صخب المعارك الوطنية وصفاء الهمس الإيماني.

هو كاتب وصحفي ومحلل سياسي، يعرف بتحليلاته العميقة التي تنفذ إلى جوهر الأزمات الوطنية كالسيف في النسيج. يركز في كتاباته الحالية على معركة الكرامة والعمليات العسكرية الجارية، مدافعا بقوة عن تماسك الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية، ومناهضا بشدة تجاوزات مليشيا الدعم السريع وانتهاكاتها، خاصة في أعقاب أحداث الفاشر حيث ناقش الحصار الدبلوماسي عليها ببصيرة نافذة.

ولم يقتصر اهتمامه على الشأن السياسي الخالص؛ فقد تخصص حسن عبد الحميد في الشؤون الإسلامية، فأثرى كتاباته وإنتاجه الصحفي بروحانية عميقة ومعرفة واسعة. ومن أبرز تجليات ذلك تشكيله ثنائيا مميزا مع الصحفي المخضرم عبد المحمود الكرنكي، أول رئيس تحرير لصحيفة الرائد. فقد أشرف حسن على إصدار ملحق ديني أسبوعي، كان بمثابة نسيم عليل في فضاء الصحافة السودانية. اهتم هذا الملحق بالطرق الصوفية اهتماما خاصا، وغطى أنشطتها وفعالياتها بصدق ودقة. ولم يكتف محررو الملحق بالكتابة من مكاتبهم، بل طافوا بقاع السودان الواسعة، ينقلون أحوال الزوايا والمساجد، ويروون قصص الذكر والسماع، ويوثقون حيوية هذا الجانب الروحي المهم الذي يشكل نسيج المجتمع السوداني.

يمتلك حسن زوايا رأي ثابتة في منصات عربية مرموقة، كمجلة المجتمع الكويتية، حيث يكتب بشكل دوري عن سيناريوهات مستقبل السودان. كما يظهر كمحلل سياسي وصحفي في القنوات الفضائية، يناقش قضايا التغرير بالشباب واستغلالهم في النزاعات، ويواكب المبادرات الوطنية كمؤتمر نداء السودان بقلم موضوعي وواع.

وليس هذا فحسب، فقد امتد نشاطه إلى الميدان السياسي المباشر. أهله عمقه الفكري ووعيه الوطني لعضوية البرلمان، ممثلا لقوى سياسية فاعلة، حيث كان مبشرا برؤاها ومدافعا عن قيمها بصدق وإخلاص.

إن حسن عبد الحميد ليس مجرد محلل يلقي بالآراء، بل هو صوت جامع بين السياسة والروح، بين الماضي الإسلامي المشرق والحاضر الوطني المضطرب. قلم يحمل هم الدولة، وروح تشتاق إلى نقاء الطريق الصوفي، وعقل يرى في التاريخ درسا وفي المستقبل أملا.

في زمن الضباب والفتن، يبقى حسن عبد الحميد شاهدا على أن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون سيفا ومصباحا في آن واحد.

الرشيد علي عمر

في ميدان الصحافة السودانية، حيث تتلاطم الأمواج وتشتد المعارك، ويصبح القلم سيفا أو درعا، برز الرشيد علي عمر كأحد فرسان الكلمة اللاذعة، الذي لا يخشى المواجهة ولا يداري الحقيقة، بل يطلقها كالسهم المسموم في قلب الوهم.

هو كاتب وصحفي رياضي بارز، مثير للجدل بطبعه، يعرف بقلمه الحاد الذي يشبه النصل المصقول، يقطع الغموض ويكشف الزيف. يترأس مجلس إدارة ورئاسة تحرير صحيفة الأسياد الرياضية، التي جعل منها منبرا قويا وصوتا مؤثرا في الوسط الإعلامي المرتبط بنادي الهلال السوداني العريق. فهو من أبرز الأصوات المؤيدة له، يدافع عنه بضراوة، وينتقد إدارته أحيانا بنفس الضراوة، في توازن نادر يجمع بين الولاء والنقد البناء.

ولد الرشيد ليكون صوتا مختلفا. درس العلوم السياسية في الهند، وعاد إلى الوطن ليبدأ مسيرته في الصحافة الحائطية المتواضعة، حيث كان الحماس يعوض قلة الإمكانيات. ثم أسس عام 1992م صحيفة الماتش، وترأس تحرير الهدف، وعمل مستشارا في المشاهد، ورئيسا للقسم الرياضي في صحيفتي الصحافة والحياة. وها هو اليوم يقود الأسياد بكل ما أوتي من خبرة وشجاعة، يصوغ عناوين جريئة تتصدر الصفحات، ويطلق ألقابا تظل عالقة في أذهان القراء، كأن كلماته تنحت في الذاكرة الرياضية السودانية.

لكن الرشيد لا يقف في حدود الشأن الرياضي. قلمه يتجاوز المستطيل الأخضر ليغوص في أعماق الشأن العام. وفي مقال مؤثر صدر مؤخرا، خط شهادة صادقة حول جدل العودة من النزوح واللجوء إلى الخرطوم. دحض فيها التردد والشائعات التي تبث الرعب في قلوب الناس، ودعا إلى العودة بثقة وأمل، مستلهما صوت المواطن الذي يعرف جروح وطنه ويحلم بعافيته.

إنه الرجل الذي يجمع بين حدة المعارك الصحفية وعميق الرؤية السياسية، بين شغف الرياضة وهموم الوطن. في زمن يغلب فيه المداهنة والخوف، يبقى الرشيد علي عمر صوتا حرا جريئا، يصنع الأحداث بكلماته، ويترك بصمته على صفحات التاريخ الرياضي والوطني معا.

قلم لا يهدأ، ومعركة لا تنتهي.. هكذا هو الرشيد، فارس الأسياد وصوت من لا صوت له.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.