في إنجلترا، مهد كرة القدم، يستطيع فريق من الدرجة الثانية أن يحقق كأس البلاد، كما فعل ويجان أتلتيك. وفي إسبانيا، قد يصل فريق قروي إلى نهائي الكأس ليواجه ريال مدريد، فتعيش جماهيره لحظة تاريخية لا تُنسى، حتى وإن خسر اللقب.
في كل دول العالم، تحرص الاتحادات الوطنية على حماية بطولاتها المحلية وتطويرها، لأنها تدرك أن هذه المنافسات هي المعمل الحقيقي لاكتشاف المواهب وصقلها فنياً وبدنياً وذهنياً، وهي كذلك الجسر الذي يربط الجماهير بأنديتها ويمنح كرة القدم معناها القومي والشعبي.
أما في السودان، فقد اتُّخذ قرار بدا وكأنه حكم بالإعدام بحق بطولة كأس السودان، البطولة القومية الأعرق والأكثر رمزية، قبل أن تُمنح حتى فرصة الحياة.
*فإعدام البطولات لا يحتاج إلى محكمة، بل يكفيه مكتب وقرار وختم*
عندما يُستبعد الهلال والمريخ، فإن المستبعَد الحقيقي هو الجمهور. وعندما تُهمَّش الرعاية والبث والإثارة، فإن الحلم نفسه يُدفن تحت ركام القرارات الإدارية. وعندما تتحول البطولة إلى منافسة منقوصة لا تضم أبرز أركانها، فإنها تفقد جوهرها ومعناها.
وفي حديثه لـ”التيار”، وصف البروفيسور كمال شداد ما حدث بأنه “قصور نظر”.
أما أنا فأرى أن الأمر تجاوز حدود قصور النظر إلى الإصرار على إضعاف البطولة وإفراغها من مضمونها. فكل من يدرك قيمة كأس السودان ومكانتها التاريخية يعرف أن استبعاد أكبر ناديين جماهيرياً وتأثيراً لا يمكن أن يمر دون أن يترك جرحاً عميقاً في جسد المنافسة.
*ماذا خسرنا؟*
لم نخسر مباراة أو بطولة فحسب، بل خسرنا أحلام آلاف الأطفال في كسلا والفاشر ونيالا والجنينة والدمازين وسنار والقضارف وبورتسودان وعطبرة وشندي ودنقلا وحلفا، أولئك الذين كانوا يحلمون برؤية أنديتهم تواجه الهلال والمريخ في مناسبة وطنية جامعة.
خسرنا أيضاً الولايات والاتحادات المحلية والأندية التي كانت ترى في كأس السودان مساحة للتلاقي والتنافس الشريف بعيداً عن الخلافات والانقسامات.
وخسرنا قبل ذلك كله الفكرة التي تجعل كرة القدم سودانية بحق، لا نشاطاً محصوراً في نطاق ضيق أو منافسة محدودة الأثر.
*هل هكذا تُطوَّر كرة القدم؟*
إذا كان الهدف هو تطوير كرة القدم السودانية، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر إضعاف البطولة القومية أو تقليص قيمتها الفنية والجماهيرية.
فالمواهب لا تُكتشف إلا عبر المنافسات الحقيقية، والبطولات الكبرى لا تكتسب قيمتها إلا بمشاركة أقوى فرقها وأكثرها جماهيرية وتأثيراً.
ومن حق الهلال والمريخ، مثل بقية الأندية، أن يشاركا في البطولة وأن ينافسا على لقبها، لأن قوة المنافسة هي التي تصنع قيمة الإنجاز.
*سؤال للمستقبل*
بعد عشر سنوات، عندما يسأل أحدهم: من كان بطل كأس السودان في عام 2026؟
هل ستكون الإجابة واضحة ومحل فخر؟ أم سنجد أنفسنا نتحدث عن عام فقدت فيه البطولة جزءاً من بريقها وقيمتها بسبب قرارات لم تراعِ مكانتها التاريخية؟
حينها سيبقى السؤال قائماً: من يتحمل المسؤولية؟ هل هي الأوراق واللوائح وحدها، أم الذين اتخذوا القرار ووقعوا عليه؟
*الخلاصة*
كأس السودان ليست ملكاً لاتحاد أو لجنة أو إدارة، بل هي ملك لجماهير الكرة السودانية ولتاريخ الرياضة الوطنية.
وحين تُمس هذه البطولة أو يُنتقص من قيمتها، فإن الخاسر الحقيقي ليس نادياً بعينه، بل كرة القدم السودانية بأكملها.
أعيدوا الاعتبار لكأس السودان، وأعيدوا إليها بريقها ومكانتها، قبل أن نفقد آخر ما تبقى من رمزية المنافسة القومية في بلادنا.