صدى الحقيقة

هو اجتماع للبحث عن منصب دستوري لما بعد الحرب

جلال الدين محمد ابراهيم
جلال الدين محمد ابراهيم
✍️ الصفر البارد
07 Jun 2026 👁 29
شارك الخبر:

في مشهد سياسي يعيد إنتاج نفسه بنفس الأدوات الفاسدة، اجتمعت منذ الثالث من مايو 2026 مجموعة تُعرف إعلامياً بـ”الآلية الخماسية” في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وهي تحاول الاجتماع مع مجموعة من المكونات السياسية، والحمد لله أن هناك من رفض التوقيع على البيان النهائي أمثال عرمان. حيث تدّعي هذه المجموعة، في ظاهر خطابها، أنها تسعى لإعادة لم شمل السودانيين وتعمل من أجل السلام. هذا في الظاهر فقط، ولكن في باطن الأمر، فإن الأمر معقد جداً، فهي تسعى لعودة الروح فيمن سقط من عين الشعب بما فعله أثناء الحرب في الشعب وفي مواقفه المخزية، وانضمام رأيه إلى رأي الدعم السريع مثل “صمود” و”تأسيس” ومن لفّ لفهم أمثال عرمان إلى آخره.

إن محاولة الآلية الخماسية إعادة إنتاج دور وطني لأولئك الذين خانوا الوطن سابقاً هو أمر لا يمر مرور الكرام على أطفال السودان، ناهيك عن الكبار. ولكن السؤال المحوري الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لمن تلوثت يداه بدماء الشعب ونهب ثرواته أن يعيد إنتاج وطنيته؟ إنها محاولة يائسة لتجميل الوجه القبيح للخيانة، ومحاولة لصبغ الرداء الوطني على جسد أخلاق عارية. ولكي نكون واضحين، إن الجلوس مع مجموعة “تأسيس” هي عملية منح لهذا الكيان الخائن غطاءً سياسياً وشرعية مفقودة له، وهو لا يستحقها.

إن عقد اجتماعات مع مجموعة ممن يدعون أنهم حكومة “تأسيس” واعتبارهم طرفاً صانعاً للتفاوض أو شريكاً في الحوار يعني، ببساطة، رفعها إلى مصاف الحكومة الوطنية القائمة، وكأنها تملك ذات الوزن والشرعية. هذا خطيئة سياسية كبرى، بل هو أكبر جريمة في حق الوطن وحق الحكومة الشرعية القائمة التي تتحمل مسؤولية حماية السيادة والثوابت.

إن أي مجموعة كانت، تدّعي الوطنية ثم تجلس على طاولة واحدة مع مجموعة “تأسيس” أو مجموعة “صمود”، وتوقّع أي اتفاق مهما كان حجمه أو نوعه، فإنها بذلك تمنح هذه المجموعة شرعية قاتلة. هذا الفعل لا يصدر إلا عن شخص فاقد للوعي السياسي، أو متورط في نفس الحسابات الضيقة، أو يجهل تماماً معنى المسؤولية الوطنية الحقيقية. فالشرعية ليست سلعة توزع في الغرف المغلقة، بل هي نتاج تراكم نضالي وأخلاقي، ومن ينحاز للخونة لا يمكنه أن يكون صوتاً للشرفاء.

وهنا لا بد من التوقف عند حالة “مجموعة صمود”. تلك المجموعة التي صمتت، بصورة مريبة، عن شجب أفعال “الدعم السريع” (في إشارة واضحة لقوى التدمير والنهب السريع). إن صمت من يدّعي الوطنية عن جرائم الدعم السريع ضد الشعب، خاصة أمام جرائم القتل والسلب والنهب، هو تواطؤ بامتياز. ومن ثم، فإن الجلوس مع “صمود” في أي اتفاق أو حوار هو تنازل خطير عن حقوق الشعب. إنه إهدار لكل دماء قتيل، وإباحة لكل مال نُهب، وتبرير لكل ثروة سُرقت.

إن أي مجموعة تفعل ذلك ستخسر إلى الأبد قيمتها في قلوب الناس، لأن الشعب يمتلك ذاكرة طويلة، وقلبه لا ينسى من يخونون وطنهم. ولكن يبدو أن البعض مشغولون بالمظاهر الإعلامية الزائفة، ويسابقون الزمن لالتقاط الصور ونشر البيانات، دون أن يحسبوا بدقة نتائج أفعالهم الكارثية. إنهم يظنون أنهم يصنعون مجداً، بينما هم يهدمون ما تبقى من جدار الوطنية.

ولم تقم هذه المجموعات التي سافرت إلى أديس أبابا من أجل طاعة الآلية الخماسية ولا طاعة غيرها بتقييم دقيق لمعاناة الشعب الذي يعيش جحيماً لا يوصف. الشعب الذي نزح من بيوته، وفقد أبناءه، وجاع أطفاله، ورأى مدنه تتحول إلى خراب. هذا الشعب لا تهمه الاجتماعات الفطيرة في أديس أبابا، ولا البيانات المترفة التي تخلو من أي روح وطنية حقيقية. الشعب يريد من ينصف معاناته، لا من يتاجر بها. كل جلسة تعقد مع “مجموعات الآلية الخماسية” أو “صمود” أو كل الأحزاب المعارضة التي وقفت مع الدعم السريع (القحاتة) دون محاكمة جرائمهم، هي صفعة جديدة على وجه كل أم فقدت ولدها، وكل أسرة هُجّرت من أرضها. إن تقييم الألم بحجم المكاسب السياسية الضيقة هو قمة الاستهتار بالدم الإنساني.

إن ما يحدث ليس مجرد اجتماعات عابرة، بل هو إعادة إنتاج لمشروع الفوضى المرتقبة لما بعد نهاية الحرب، حرب البحث عن الكراسي الدستورية، والكل يريد أن يضمن لنفسه مقعداً أقرب إلى القمة!!! وهنالك من يخطط أن يكون له نصيب الأسد في المناصب الدستورية القادمة بعد الحرب، بينما هو يقف منذ انطلاق الحرب ضد الجيش وضد الشعب.

اخر المداد

بالتالي، كل ما يحدث هو عمليات “شوفينية” وظهور إعلامي من أجل الحفاظ على المواقع المستقبلية في الكراسي الدستورية لا أكثر. فالشعب حالياً يريد تحرير دارفور أولاً قبل الجلوس مع أي جهة كانت، حتى يكون التفاوض مع أي جهة يميل إلى لصالح الوطن ولصالح الشعب السوداني. لكن طالما دارفور وجزء من كردفان لم يتم تحريرهما بعد، فإن أي تفاوض أو مؤتمرات إنما هي مجرد نزهة وصرف أموال ونثريات لا تعود بأي فائدة على الشعب. إلا هل بلغت، اللهم فاشهد.

“فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ”

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.