صدى الحقيقة

تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٣٩)

د. ياسر محجوب الحسين
د. ياسر محجوب الحسين
✍️ كتابات حرة
17 May 2026 👁 42
شارك الخبر:

في الحلقة (٣٩) من سلسلة "تلغرافات صحفية على شاطئ الزمالة الصحفية" وضمن زاوية "أمواج ناعمة"، نلتقي بموجتين مختلفتين في الطابع، متحدتين في الرسالة والمهنة.

هنا يلتقي أشرف عبد العزيز، صوت الاستقلال المهني والتحليل السياسي الرصين، الذي يقود الجريدة بتوازن ومسؤولية في زمن الاستقطاب الحاد، مع انتصار جعفر، سادنة التعريشة وصوت الإشراقات، التي حولت رقة الفن والمنوعات إلى قوة وطنية صامدة، وجعلت قلمها خندقا في معركة الوعي.

رجلان مختلفان في التجربة والتخصص: أحدهما يمثل عمق التحليل السياسي المستقل، والأخرى تمثل جمال الصحافة الثقافية والإنسانية التي لا تفقد وطنيتها حتى في قلب الحرب. لكنهما يلتقيان في معين واحد: المهنية الصادقة، والانتماء الوطني الأصيل، والإيمان بقيمة الكلمة.

في أمواج ناعمة، نقدم أشرف عبد العزيز وانتصار جعفر كنموذجين حيين يثبتان أن الأمواج الهادئة قادرة على النحت والتشكيل، وأن الصحافة السودانية لا تزال غنية بألوانها وأعماقها.

أشرف عبد العزيز

أشرف، في زمن تكاثفت فيه الغيوم فوق سماء الوطن، ظل صوتا يعلو بالاستقلال حين خفتت الأصوات، وقامة صحفية تتكئ على ضميرها لا على موائد السلاطين. يبرز بوصفه أحد أهم الأصوات الصحفية المستقلة في السودان، لا لأنه أكثرهم ضجيجا، بل لأنه أكثرهم وفاء للكلمة حين تصبح الكلمة امتحانا عسيرا. فمنذ سنواته الأولى في بلاط الصحافة، أدرك أن للرأي ثمنا، وأن الحرية لا تمنح بل تنتزع انتزاعا بالصبر والمكابدة.

يتولى أشرف رئاسة تحرير صحيفة الجريدة، تلك الصحيفة التي شقت طريقها وسط العواصف، محافظة على خط تحريري منحاز لقضايا الديمقراطية والحريات العامة وكرامة الإنسان. وقبل الجريدة عمل في صحيفة رأي الشعب، وكلتا الصحيفتين لم تكونا على وفاق مع السلطة الحاكمة، فواجهتا من المتاعب والتضييق ما يكفي لإخماد عزائم الرجال. غير أن تلك المحن لم تزده إلا صلابة وتمسكا بمواقفه السياسية والمهنية، إذ ظل يرى أن الصحافة ليست مهنة للحياد البارد، بل رسالة أخلاقية تنحاز للحقيقة والناس.

ولأشرف رأيه الذي يعتد به ويكافح من أجله، وقد تنقل بين رؤى سياسية متعددة، شأن المفكر الذي يفتش عن الحقيقة ولا يقيم في يقين جامد، إلا أنه ظل، مهنيا، وفيا لجوهر الصحافة وقضايا الحريات. لم تغره الاصطفافات الحادة، ولم تدفعه التحولات إلى التخلي عن استقلاله الفكري، فبقي محللا يقرأ المشهد السوداني بعمق واتزان، بعيدا عن الانفعال والشعارات العابرة.

وفي منتصف العام الماضي، حين ألمت به وعكة صحية، تحول الخبر إلى مرآة عكست مكانته الرفيعة في الوسطين الصحفي والسياسي؛ إذ انهالت عليه رسائل التضامن والاتصالات من شخصيات تنتمي إلى أطياف متباينة، في مشهد نادر دل على احترام الجميع لرجل اختلفوا معه كثيرا، لكنهم أجمعوا على نزاهته المهنية وصدق التزامه بالكلمة الحرة.

انتصار جعفر

انتصار نجمة تعريشة ونسمة فنية وثقافية في صحافة المنوعات والوطن، تجمع بين رقة الروح وقوة الكلمة.

بدأت علاقتها بالحرف منذ نعومة أظفارها عبر الصحف الحائطية في المدرسة، ثم لم تنتظر التخرج لتمارس عشقها. عملت مراسلة في صحيفتي السودان الحديث والرياضي، وتدربت في عطلاتها بين أساتذة الصحافة الكبار، قبل أن تتوج مسيرتها بالتخرج من كلية علوم الاتصال – قسم الصحافة بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا.

تنقلت بين كبريات المؤسسات الصحفية: عملت مع الهرم الصحفي فتح الرحمن النحاس، ثم في الأنباء والشرق الدولية حيث ترأست قسم المنوعات، وصولا إلى صحيفة الرائد التي سطع فيها نجمها عبر الملف الشهير تعريشة، الذي أصبح مرجعا توثيقيا مهما لكبار الفنانين والشعراء والملحنين السودانيين.

سجلت انتصار العديد من الانفرادات الصحفية اللافتة، أبرزها أول حوار مع الهرم محمد وردي بعد عودته للسودان، والحوار الأول والأخير مع فردوس مصطفى شبر زوجة الفنان الراحل عثمان حسين. كما أبدعت زوايا مميزة مثل إشراقات التي عالجت فيها قضايا الأسرة والطفل والمرأة.

لم تقتصر على الفن، بل برزت في الصحافة الرياضية والاجتماعية والنسائية، وساهمت في مجلات متخصصة عديدة، وعملت في التلفزيون عبر قنوات نيو أفريكا والتلفزيون القومي.

مع اندلاع حرب الكرامة، حولت انتصار قلمها من المنوعات إلى خندق الوعي الوطني، فسخرت عمودها إشراقات ومنصة إشراق برس لنصرة القوات المسلحة ودعم الوطن، مؤكدة أن الصحفي في الأزمات جندي بالكلمة.

بعيدا عن المطابع، تعرف بانسجامها مع الطبيعة؛ فهي عاشقة للبستنة والزهور، عضو فاعل في جمعية فلاحة البساتين وحماية البيئة، وكانت تمتلك مشتلا خاصا يضم نوادر الزهور والطيور .

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.