صدى الحقيقة

إثيوبيا.. ما الجديد؟

آمنة السيدح
آمنة السيدح
✍️ تنظير
17 May 2026 👁 35
شارك الخبر:

لم يكن التدخل الإثيوبي في الحرب السودانية الحالية مفاجئاً، بل بدا وكأنه جزء من مشهد أُعدّت تفاصيله منذ وقت طويل. فإثيوبيا لم تدخل الأزمة من باب الصدفة، وإنما عبر مسارات متدرجة بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، حين تحولت بعض المنابر الإقليمية، وعلى رأسها الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد، إلى منصات مرتبكة فقدت قدرتها على التوازن، ووقفت مواقف بدت أقرب إلى التهاون مع المليشيا المتمردة، رغم كل ما ارتكبته من انتهاكات تناقض الأعراف والقوانين الدولية.

ذلك الضعف لم ينعكس على السودان وحده، بل أصاب المنظومة الإفريقية كلها، التي بدت عاجزة عن حماية هيبتها أو فرض احترامها، فعادت القارة إلى صورتها القديمة؛ قارة منقسمة، ضعيفة، تتقاذفها المصالح الدولية والإقليمية.

أما الاستهداف الإثيوبي للسودان فلم يتوقف عند المواقف السياسية أو الدبلوماسية، بل تمدد إلى أدوات أكثر خطورة. فقبل الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيّرة، وقبل التدخلات الميدانية في الكرمك، كان هناك سلاح آخر أكثر هدوءاً وأشد فتكاً، تمثل في إدارة ملف سد النهضة بطريقة أضرت بالأمن الغذائي السوداني، عبر فتح وإغلاق المياه في توقيتات حرجة ألحقت أضراراً واسعة بالمشاريع الزراعية على النيل الأزرق.

ثم جاءت أزمة طرد السفير السوداني من أديس أبابا، بعد الاجتماع العربي الذي دعا إليه السودان لمناقشة الاستهداف الإثيوبي. صحيح أن بيان الجامعة العربية جاء ضعيفاً وهزيلاً، لكنه كان كافياً لإثيوبيا كي تبعث برسالة واضحة: أن اعتراض العرب لا يعنيها، وأنها تتحرك بثقة من يعتقد أن لا قوة قادرة على ردعه أو حتى مساءلته.

المشهد كله يوحي بأن القوى المتورطة في هذه الحرب تدرك جيداً حدود ردود الفعل الإقليمية والدولية، بل وتراهن على عجز العالم عن اتخاذ مواقف حاسمة، تماماً كما يحدث في غزة؛ جرائم موثقة، ومآسٍ إنسانية، وصمت عالمي مخزٍ.

لكن الأخطر من كل ذلك، أن هناك من ينتظر السودان ليرتكب الخطأ الكبير. ينتظرونه أن ينفعل، أن يتجاوز حدوده، أو أن ينجر إلى مواجهة إقليمية مباشرة، حتى تُفتح أبواب التدخل الدولي الواسع، وتُفرض الوصاية والعقوبات تحت الفصل السابع، وهو الحلم الذي ظل يراود خصوم السودان منذ سنوات.

إن ما يجري ليس مجرد حرب عسكرية تقليدية، بل صراع معقد تتداخل فيه الحسابات الأمنية والاقتصادية والإقليمية والدولية. ولذلك فإن التعامل معه بالعقلية العسكرية وحدها لن يكون كافياً.

السودان اليوم في حاجة إلى مراكز دراسات، وخبراء استراتيجيات، وعقول تقرأ المستقبل قبل أن يقع، لأن هذه الحرب لم تعد حرب بندقية فقط، بل حرب معلومات، وتحالفات، واستنزاف طويل النفس.

وحده الوعي بطبيعة المعركة قد ينقذ البلاد من الوقوع في الفخ الأكبر.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها ولا تعبّر بالضرورة عن موقع صدى الحقيقة.