صدى الحقيقة

بعد 341 عاماً من “العار الأسود”.. فرنسا تُسقط قانون العبودية وتواجه أشباح ماضيها الاستعماري

بعد 341 عاماً من “العار الأسود”.. فرنسا تُسقط قانون العبودية وتواجه أشباح ماضيها الاستعماري
الأخبار
28 May 2026 👁 74
شارك الخبر:

في خطوة وُصفت بأنها “تاريخية ومتأخرة”، صوّت الجمعية الوطنية الفرنسية بالإجماع على إلغاء قانون العبودية المعروف باسم “الكود الأسود” أو Code Noir، وهو المرسوم الذي أصدره الملك لويس الرابع عشر عام 1685 لتنظيم العبودية في المستعمرات الفرنسية.

وجاء التصويت بموافقة 254 نائباً دون أي صوت معارض، في مشهد نادر داخل البرلمان الفرنسي، ليُنهي رسمياً أحد أكثر القوانين إثارة للجدل في التاريخ الاستعماري الفرنسي، بعدما ظل قائماً من الناحية الرمزية رغم إلغاء العبودية منذ عام 1848.

قانون حوّل البشر إلى “ممتلكات”

القانون، الذي عُرف تاريخياً باسم “الكود الأسود”، منح المستعمرين صلاحيات واسعة على العبيد، بما في ذلك بيعهم وتعذيبهم ومعاقبتهم، وهو ما جعل كثيراً من النواب الفرنسيين يعتبرونه “وصمة قانونية وأخلاقية” استمرت لقرون.

وخلال الجلسة، انهار النائب الفرنسي ستيفي غوستاف، المنحدر من أصول مارتينيكية، بالبكاء وهو يؤكد أن “أي تصويت لن يمحو قروناً من المعاناة”، مضيفاً أن أحفاد المستعبدين “وُلدوا أحراراً ثم جُردوا من إنسانيتهم وحقوقهم الأساسية”.

لماذا أثار القانون كل هذا الغضب؟

رغم أن فرنسا ألغت العبودية رسمياً في القرن التاسع عشر، فإن كثيراً من النشطاء والمؤرخين اعتبروا بقاء “الكود الأسود” دون إلغاء رسمي دليلاً على أن باريس لم تُواجه تاريخها الاستعماري بصورة كاملة.

ويقول مراقبون إن القضية تتجاوز مجرد إلغاء نص قانوني قديم، لتفتح ملفات أوسع تتعلق بالتمييز العنصري وعدم المساواة داخل الأقاليم الفرنسية ما وراء البحار، مثل غوادلوب ومارتينيك وغويانا الفرنسية وريونيون.

وتُعد هذه المناطق جزءاً رسمياً من فرنسا منذ عام 1946، إلا أنها لا تزال من بين أكثر المناطق فقراً وبطالة مقارنة بفرنسا القارية، وهو ما يدفع كثيرين للحديث عن “استمرار الإرث الاستعماري بأشكال جديدة”.

“فرنسا لم تتغير بالكامل”

النائب الفرنسي ماكس ماتياسين، الذي تقدّم بمشروع الإلغاء، قال إنه لم يكن يعلم أصلاً أن القانون ما زال قائماً بشكل رسمي، موضحاً أنه لم يتمكن طوال حياته من قراءة نص القانون كاملاً بسبب قسوته.

وأضاف: “هذا التصويت محاولة لاستعادة إنسانية أجدادنا”، معتبراً أن الجمهورية الفرنسية لا تزال بعيدة عن تحقيق شعارات “الحرية والمساواة والإخاء” في أقاليمها البعيدة.

كما انتقد ناشطون استمرار هيمنة النخب البيضاء على المؤسسات الرسمية المرتبطة بذاكرة العبودية، معتبرين أن فرنسا ما زالت تعاني “استمرارية استعمارية” حتى اليوم.

التعويضات تعود إلى الواجهة

إلغاء “الكود الأسود” أعاد أيضاً النقاش حول قضية التعويضات التاريخية لضحايا العبودية وأحفادهم، خاصة بعد تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة التي تحدث فيها عن ضرورة “قول الحقيقة” بشأن تجارة الرقيق، دون الالتزام بتعويضات مالية مباشرة.

ويشير مؤرخون إلى أن فرنسا أجبرت هايتي بعد استقلالها عام 1804 على دفع تعويضات ضخمة للمستعمرين الفرنسيين مقابل “خسائرهم”، وهو دين استمر سداده حتى منتصف القرن العشرين.

ورغم الترحيب الرمزي بإلغاء القانون، يرى كثير من النشطاء أن الخطوة لن تكون كافية ما لم تُترجم إلى سياسات فعلية لمكافحة العنصرية وتحقيق العدالة الاجتماعية في الأقاليم الفرنسية ذات الإرث الاستعماري.

ويقول مراقبون إن تصويت البرلمان الفرنسي قد يكون بداية مرحلة جديدة من مراجعة فرنسا لماضيها الاستعماري، لكنه في الوقت نفسه يفتح ملفات أكثر حساسية تتعلق بالتمييز والتعويضات والهوية الوطنية، وهي قضايا لا تزال تُثير انقساماً واسعاً داخل المجتمع الفرنسي.

المصدر: أسوشيتد برس