صدى الحقيقة

لماذا يتجه الجيش الألماني إلى تعيين مرشدين دينيين مسلمين؟

لماذا يتجه الجيش الألماني إلى تعيين مرشدين دينيين مسلمين؟
تقارير
02 May 2026 👁 30
عادل الشروعات
شارك الخبر:

في ظل التحولات التي يشهدها الجيش الألماني، سواء من حيث التوسع العددي أو تنوع خلفيات أفراده، يبرز توجه جديد نحو إعادة النظر في منظومة الإرشاد الديني داخل المؤسسة العسكرية. فبعد عقود من اقتصار هذه الخدمات على المسيحيين واليهود، تتجه الأنظار اليوم إلى إدماج مرشدين دينيين مسلمين، استجابةً لواقع متغير واحتياجات متزايدة.

هذا التوجه لا يأتي من فراغ، بل يعكس تطورًا تدريجيًا في بنية الجيش الذي يضم نحو 186 ألف جندي وجندية، بينهم ما يقارب 3000 مسلم، في رقم مرشح للارتفاع خلال السنوات المقبلة. ومع هذا التنامي، لم يعد الحديث عن الإرشاد الديني الإسلامي مسألة هامشية، بل ضرورة ترتبط بالجانب الإنساني والنفسي للعسكريين.

ويجسد الضابط الشاب يوسف أويغور هذا التحول، إذ يمثل نموذجًا لجيل جديد من الجنود ذوي الأصول المهاجرة الذين يسعون للاندماج الكامل داخل المؤسسة العسكرية. وبالنسبة له، فإن وجود إمام داخل الجيش لم يعد فكرة نظرية، بل خطوة طبيعية تواكب التغيرات الحاصلة، خصوصًا في بيئة عمل تتسم بالضغوط والمخاطر.

الإرشاد الديني: دور يتجاوز الشعائر

لطالما لعب الإرشاد الديني دورًا محوريًا داخل الجيوش، ليس فقط من خلال إقامة الشعائر، بل أيضًا عبر تقديم الدعم النفسي والمعنوي. ففي الجيش الألماني، تعود جذور هذه الخدمة إلى خمسينيات القرن الماضي بالنسبة للجنود المسيحيين، فيما تم إدخال الحاخامية العسكرية عام 2021 لخدمة الجنود اليهود.

اليوم، ومع تزايد التحديات الأمنية وتصاعد الأزمات الدولية، تتعزز الحاجة إلى هذا النوع من الدعم، خاصة في بيئة عسكرية قد يواجه فيها الأفراد ضغوطًا نفسية كبيرة واحتمالات الخطر بشكل يومي. وهنا، يصبح المرشد الديني شخصية محورية، توفر مساحة آمنة للحوار، وتقدم إرشادًا يتجاوز الإطار الديني إلى البعد الإنساني.

تحديات تنظيمية وحلول عملية

رغم القناعة المتزايدة بأهمية هذه الخطوة، فإن تنفيذها لم يكن خاليًا من التحديات. أبرز هذه العقبات يتمثل في غياب جهة تمثيلية موحدة للمسلمين في ألمانيا، وهو ما حال دون إبرام اتفاق رسمي مماثل لما هو قائم مع الكنائس أو المجلس المركزي لليهود.

وفي مواجهة هذا التحدي، لجأت وزارة الدفاع إلى طرح الوظيفة بشكل مفتوح، مع تحديد شروط واضحة تشمل الحصول على مؤهل أكاديمي في الدراسات الإسلامية وخبرة في الإرشاد الديني. ومن المقرر أن يبدأ التطبيق داخل ألمانيا، تمهيدًا لتوسيع التجربة لاحقًا.

قبول واسع داخل المؤسسة العسكرية

تشير المعطيات إلى وجود دعم كبير داخل صفوف الجيش لهذه الخطوة، حيث أظهرت دراسات أن غالبية الجنود يرون في المرشدين الدينيين عنصرًا مهمًا في حياتهم المهنية. فوجود شخصية مستقلة يمكن اللجوء إليها للحصول على المشورة أو الدعم النفسي يمثل قيمة مضافة، خاصة في أوقات الأزمات أو أثناء المهمات العسكرية.

وترتفع أهمية هذا الدور خلال العمليات الخارجية، حيث تتضاعف الضغوط، ويصبح الدعم المعنوي ضرورة ملحّة. لذلك، لا يُنظر إلى تعيين مرشدين دينيين مسلمين كإجراء إداري فحسب، بل كجزء من رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز التماسك الداخلي للمؤسسة العسكرية.

تحول في فهم التنوع

في المحصلة، يعكس هذا التوجه تحولًا أعمق في طريقة تعامل الجيش الألماني مع التنوع داخل صفوفه. فبدلًا من الاكتفاء بالنماذج التقليدية، باتت المؤسسة العسكرية أكثر انفتاحًا على تلبية احتياجات جميع أفرادها، بما ينسجم مع الواقع الاجتماعي المتغير في البلاد.

ومع استمرار النقاش حول هذه الخطوة، يبدو أن إدماج الإرشاد الديني الإسلامي في الجيش لم يعد مجرد احتمال، بل مسارًا قيد التبلور، قد يعيد تشكيل مفهوم الدعم داخل واحدة من أهم مؤسسات الدولة.